بركة يدق ناقوس الغلاء ويدعو إلى إصلاح جذري لمسالك التوزيع: الفلاح يخسر والمستهلك يؤدي الثمن

قال نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، إن حماية الأسر المغربية من الارتفاع المتواصل لأسعار المواد الأساسية لم تعد مجرد خيار سياسي أو اقتصادي، بل أصبحت أولوية وطنية تستوجب تدخلات هيكلية عميقة تعيد التوازن إلى السوق وتحمي القدرة الشرائية للمواطنين، مع ضمان دخل عادل للفلاحين والمنتجين.

وأكد بركة، خلال الندوة التي نظمتها رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين يوم الخميس 11 يونيو 2026 بالدار البيضاء تحت شعار “تعزيز الثقة وصون الكرامة.. خطة عمل 2026-2035″، أن موضوع حماية الأسر المغربية من الغلاء التصاعدي للمواد الأساسية يفرض نفسه بقوة في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المغرب، وما يرافقها من ضغوط متزايدة على ميزانيات الأسر، خاصة الفئات المتوسطة والهشة.

واستند الأمين العام لحزب الاستقلال إلى معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، كشفت أن أكثر من ثلاثة أرباع الأسر المغربية تعتبر أن أوضاعها المعيشية تدهورت خلال السنة الماضية، في حين لا تتجاوز نسبة الأسر القادرة على ادخار جزء من دخلها 2.5 في المائة، بينما لا تتوقع الغالبية الساحقة من الأسر إمكانية الادخار خلال المستقبل القريب.

وأوضح بركة أن تراجع القدرة الشرائية يرتبط أساسا بالارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية الأساسية، التي أصبحت تستحوذ على نسبة متزايدة من ميزانية الأسر، خصوصا الفقيرة منها، مشيرا إلى أن اللحوم والأسماك والخضر والحبوب ومنتجات الألبان تشكل الجزء الأكبر من الإنفاق الغذائي للمغاربة.

وأرجع المسؤول الحزبي هذا الوضع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها توالي سنوات الجفاف، وارتفاع أسعار المدخلات الفلاحية، وتراجع الإنتاج في عدد من السلاسل الزراعية، إضافة إلى ضعف العرض الموجه للسوق الداخلية، واستمرار اختلالات أسواق الجملة، وتعدد الوسطاء داخل مسالك التسويق والتوزيع.

وفي تشخيصه لأسباب الغلاء، توقف بركة عند ما وصفه بـ”المفارقة الكبرى” التي يعيشها القطاع الفلاحي، حيث لا يستفيد الفلاح من السعر النهائي الذي يؤديه المستهلك، كما لا يحصل المواطن على أسعار منصفة رغم ارتفاع كلفة المعيشة، معتبرا أن جزءا مهما من القيمة يضيع داخل حلقات الوساطة.

وأشار إلى أن دراسات مجلس المنافسة كشفت أن الوسطاء يستحوذون في المتوسط على نحو 34 في المائة من السعر النهائي للمنتجات الفلاحية، وقد تصل هذه النسبة في بعض الحالات إلى ما يقارب نصف الثمن الذي يؤديه المستهلك، ما يجعل الفلاح والمواطن معا ضحيتين لاختلالات السوق.

وشدد بركة على أن معالجة هذه الوضعية لا تعني العودة إلى التحكم الإداري في الأسعار أو التدخل المباشر في آليات السوق، بقدر ما تقتضي إصلاح الأعطاب البنيوية التي تسمح باستمرار الريع والمضاربات والاحتكار. وأضاف أن الدولة مطالبة اليوم بمحاربة الهدر وتنظيم الأسواق وتحسين شروط المنافسة وضمان الشفافية داخل مختلف حلقات التسويق.

وفي هذا السياق، دافع الأمين العام لحزب الاستقلال عن مفهوم “الثمن العادل”، الذي يضمن للفلاح مقابلا منصفا لعمله، ويوفر للمستهلك أسعارا معقولة، ويمنح الموزع هامش ربح مشروع دون أن تتحول السوق إلى مجال لاستنزاف القدرة الشرائية للمواطنين.

كما دعا إلى تعزيز السيادة الغذائية الوطنية من خلال استثمار أفضل للإمكانات المائية المتاحة، والاستفادة من المشاريع الكبرى المرتبطة بالسدود وتحلية مياه البحر وترشيد استعمال الموارد المائية، بما يضمن استقرار الإنتاج الفلاحي وتأمين حاجيات السوق الداخلية.

وأكد أن تحقيق السيادة الغذائية يقتضي أيضا تخصيص حصص موجهة للسوق الوطنية من المواد الأساسية قبل توجيه الفائض نحو التصدير، مع إمكانية دعم بعض المدخلات الفلاحية الموجهة للإنتاج المحلي كلما اقتضت الضرورة ذلك.

وفي محور آخر من مداخلته، استعرض بركة عددا من التجارب الدولية التي اعتمدت آليات مؤسساتية متطورة لتنظيم سلاسل توزيع وتسويق المواد الغذائية، مشيرا إلى أن العديد من الدول لم تترك تدبير الأمن الغذائي لتقلبات السوق وحدها، بل أحدثت شركات وهيئات متخصصة تتولى مهام التجميع والتخزين والتوزيع بما يضمن استقرار التموين ويحد من المضاربات والاحتكار.

وفي هذا الإطار، اقترح التفكير في إحداث شركات وطنية أو جهوية متخصصة في تسويق وتوزيع بعض المواد الغذائية الأساسية، سواء في إطار شراكات بين القطاعين العام والخاص أو عبر نماذج مؤسساتية حديثة، تكون مهمتها تقليص حلقات الوساطة وربط المنتج مباشرة بالأسواق، مع الاستثمار في البنيات اللوجستيكية والتخزين والنقل المبرد.

ويرى بركة أن مثل هذه الآليات من شأنها تقليص الفوارق الكبيرة بين أسعار الإنتاج وأسعار الاستهلاك، والحد من ضياع المنتجات الفلاحية، وضمان استمرارية التموين خلال فترات الأزمات والاضطرابات المناخية.

ودعا في السياق نفسه إلى إنشاء مرصد وطني لتتبع هوامش الأرباح الخاصة بالمواد الأساسية، وإرساء منظومة متكاملة لضمان شفافية الأسعار عبر مختلف مراحل التسويق، من الضيعات الفلاحية إلى أسواق الجملة ثم إلى منافذ البيع بالتقسيط.

كما شدد على ضرورة الإسراع بإصلاح أسواق الجملة وعصرنتها وتأهيلها للقيام بدورها الحقيقي في تنظيم سوق الخضر والفواكه، إلى جانب مراجعة نظام التأمين الفلاحي وتطويره لمواكبة التحولات المناخية المتسارعة، بعدما أبانت سنوات الجفاف الأخيرة عن محدودية النموذج الحالي في مواجهة المخاطر المناخية المتزايدة.

وختم بركة مداخلته بالتأكيد على أن الرهان اليوم ليس الاختيار بين الفلاح والمستهلك، بل بناء نموذج اقتصادي يحقق التوازن بين الطرفين، عبر إنتاج أكبر، وتوزيع أكثر عدالة، وسيادة غذائية أقوى، معتبرا أن قوة الدول لا تقاس فقط بحجم ما تنتجه من ثروات، وإنما أيضا بقدرتها على حماية كرامة مواطنيها وضمان حقهم في العيش الكريم.

وقال إن المغرب بحاجة إلى الانتقال من اقتصاد الغموض إلى اقتصاد الشفافية، ومن منطق الريع إلى منطق القيمة المضافة، ومن سوق يتحمل المواطن اختلالاتها إلى سوق تخدم المواطن والفلاح والوطن على حد سواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave