لم يكن التصويت الذي شهده المجلس الجماعي لسيدي موسى بن علي، التابعة لعمالة المحمدية، خلال دورته الاستثنائية المنعقدة يوم الاثنين 15 يونيو 2026، مجرد إجراء إداري عادي يهم تدبير عقار جماعي أو إعادة تنظيم مرفق اقتصادي محلي، بل بدا أشبه بفتح صفحة جديدة في واحد من أكثر الملفات العقارية والاقتصادية إثارة للنقاش داخل تراب الجماعة خلال السنوات الأخيرة.
ففي ظرف زمني لم يتجاوز دقائق معدودة من انتهاء أشغال الدورة، انتقلت الأنظار من قاعة الاجتماعات إلى دوائر القرار الإداري بالمحمدية، بعد أن صادق المجلس بأغلبية الأعضاء الحاضرين على النقطة الفريدة المدرجة بجدول الأعمال، والمتعلقة بإخراج الوعاء العقاري الذي يحتضن سوق الأحد من الملك العام الجماعي وتحويله إلى الملك الخاص للجماعة، تمهيدا لمباشرة مسطرة المبادلة العقارية وترحيل السوق نحو موقع جديد، مع تحويل العقار الحالي إلى سوق مركزي يومي.
وعرفت عملية التصويت امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت، في إشارة عكست حجم التردد الذي ظل يرافق الملف منذ ظهوره لأول مرة داخل دورات المجلس، خصوصا أن هذه الدورة الاستثنائية جاءت تنفيذا لمراسلة عاملية تحمل عدد 547/SG، وتنص على مباشرة إجراءات مبادلة العقار الجماعي ذي الرسم العقاري C/46848، الذي تبلغ مساحته هكتارا واحدا و746 مترا مربعا ويحتضن حاليا سوق الأحد، مقابل جزء من العقار المخزني المملوك للدولة ذي الرسم العقاري T1497/25 بمساحة أربعة هكتارات.
غير أن ما حول هذه المصادقة إلى مادة للنقاش العمومي ليس مبدأ المبادلة في حد ذاته، وإنما التحول الكبير الذي طرأ على شروطها مقارنة بما كان متداولا في مراحل سابقة. فالرأي العام المحلي كان يتابع منذ أشهر نقاشا يقوم على فرضية مبادلة العقار الجماعي بأربعة عشر هكتارا من أملاك الدولة، قبل أن يجد نفسه أمام صيغة نهائية لا تتجاوز أربعة هكتارات فقط، وهو ما عزز مخاوف عدد من المتتبعين للشأن المحلي الذين دعوا في وقت سابق إلى التريث وعدم الحسم في الملف قبل تقديم توضيحات دقيقة حول أسباب هذا التغيير الجوهري ومبرراته التقنية والعقارية والاقتصادية.
وتزداد هذه التساؤلات حدة عندما ينتقل النقاش من الأرقام إلى طبيعة العقار المقترح نفسه.
فحسب معطيات متداولة بين فاعلين ومهنيين عاينوا الموقع، فإن البقعة الجديدة تقع بمنطقة مرتفعة تطل بشكل مباشر على مجرى واد طبيعي، وهي منطقة لا تتوفر حاليا على البنيات الأساسية الضرورية لاستقبال سوق من الحجم الذي يطمح إليه المشروع.
فشبكات التطهير السائل ما تزال غائبة، والمسالك الطرقية المؤهلة لم تر النور بعد، كما أن الخصائص الجغرافية للموقع تجعل من تدبير المياه العادمة الناتجة عن المجازر ورحبة الماشية تحديا بيئيا حقيقيا.
ويرى مهتمون بالشأن البيئي أن أي ترحيل للسوق دون إحداث محطات للمعالجة وقنوات تقنية للضخ والتصريف قد يضع المنطقة أمام مخاطر تهدد سلامة الفرشة المائية ومجرى الوادي المجاور، بما يثير أسئلة مرتبطة بمدى احترام مقتضيات قانون الماء 36.15 ومتطلبات التنمية المستدامة.
ولا تقف التحفظات عند الجانب البيئي فقط، بل تمتد إلى الجانب اللوجستي والتقني.
فوعورة التضاريس ووجود منحدرات ومطالع حادة بالعقار الجديد قد يشكلان تحديا إضافيا أمام حركة شاحنات السلع وعربات نقل الماشية، خصوصا خلال فصل الشتاء، الأمر الذي يفرض إنجاز دراسات تقنية دقيقة قبل الانتقال من مرحلة القرار إلى مرحلة التنفيذ.
لكن خلف هذا النقاش العقاري والبيئي يختبئ سؤال أكبر يتعلق بوظيفة السوق نفسه وحدود تأثيره على التنظيم الترابي والتجاري للجماعة.
فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن سوق سيدي موسى بن علي لم يعد مجرد سوق محلي تقليدي، بل تحول تدريجيا إلى قطب تجاري يستقطب حوالي 215 مزاولا للنشاط التجاري من المحمدية، فضلا عن أزيد من 600 بائع آخرين يفدون من سلا وتمارة وبنسليمان ومناطق أخرى.
هذا التدفق البشري والتجاري الضخم خلق وضعا استثنائيا جعل بعض المتتبعين يتحدثون عن شكل من أشكال “النزوح التجاري العابر للأقاليم”، حيث إن عددا من الممارسين للنشاط التجاري، خصوصا بعض التجار القارين، يعمدون إلى إغلاق محلاتهم التجارية المسجلة قانونيا والتوجه نحو السوق أو احتلال الأرصفة المحيطة به، وهو ما يطرح إشكالات قانونية وتنظيمية مرتبطة بالمنافسة المشروعة واستغلال الملك العمومي واحترام الضوابط التي يؤطرها القانون رقم 104.12.
وأمام هذا الواقع، تبدو إعادة هيكلة السوق فرصة لإعادة التفكير في النموذج التنظيمي برمته، وليس فقط في موقعه الجغرافي.
لذلك يبرز ضمن النقاش العمومي تصور يدعو إلى الانتقال نحو منظومة رقمية متكاملة لتدبير الأنشطة التجارية، تقوم على إحداث “هوية مهنية رقمية” تربط البطاقة الوطنية لكل مزاول للنشاط بملف تقني وإداري يحدد طبيعة نشاطه ومجال اشتغاله وموقعه القانوني.
كما يقترح هذا التوجه إدماج الباعة النظاميين في آليات التمويل التضامني والقروض الصغرى، وربط الاستفادة من برامج الحماية الاجتماعية، ومن بينها نظام “أمو تضامن” والسجل الاجتماعي الموحد، بالانخراط الفعلي في المنظومة الرقمية واحترام القوانين المؤطرة للممارسة التجارية.
وفي السياق نفسه، يدعو عدد من المهتمين إلى تجهيز الأسواق المستقبلية بأنظمة مراقبة بصرية ذكية مرتبطة بمركزية القرار الإداري، بما يسمح بمحاربة السمسرة غير القانونية وتجفيف منابع تفويت المربعات التجارية خارج مقتضيات عقود الامتياز أو الكراء الإداري، مع تفعيل الدور التأطيري للجماعات الترابية في نشر الثقافة الرقمية والمالية لدى مختلف الفئات المستهدفة.
فالرهان، بحسب هذه الرؤية، لا يقتصر على نقل السوق من مكان إلى آخر، بل يتعلق بالانتقال من اقتصاد غير مهيكل تغيب فيه المسؤولية القانونية إلى اقتصاد مواطنة رقمي يربط الحقوق بالواجبات ويجعل من احترام القانون شرطا للاستفادة من الخدمات والدعم العمومي.
وفي خضم هذا الجدل، يطرح فاعلون محليون سؤالا موازيا لا يقل أهمية عن سؤال الترحيل نفسه، ويتعلق بمستقبل العقار الحالي الذي يحتضن السوق.
فبدل الاقتصار على تحويله إلى سوق مركزي يومي، يرى هؤلاء أن الموقع الاستراتيجي للبقعة يتيح إمكانية بلورة مشروع تنموي مندمج يواكب التحولات الكبرى التي تعرفها المنطقة.
ويستند هذا الطرح إلى إمكانية استغلال العقار الحالي في إحداث سوق مركزي عصري إلى جانب مرافق عمومية وخدماتية تفتقر إليها الجماعة، من قبيل مقر جديد للسلطة المحلية بمواصفات حديثة تليق بمكانة المؤسسة داخل منظومة وزارة الداخلية وتعتمد معايير الإدارة الرقمية والحكامة الذكية المتماشية مع تطلعات مغرب 2030، إضافة إلى إحداث مرفق أمني للقرب، ووكالة لبريد المغرب، وملاعب للقرب، ودار للشباب، وفضاءات للتنشيط الثقافي والرياضي.
وتزداد وجاهة هذا التصور بالنظر إلى الموقع الجغرافي للجماعة وقربها من ملعب الحسن الثاني الكبير ببنسليمان، الذي ينتظر أن يكون أحد أبرز المشاريع المرتبطة بالتحضيرات الوطنية لمونديال 2030، وهو ما يفرض، وفق عدد من المتتبعين، تبني رؤية استشرافية تجعل من العقار العمومي رافعة للتنمية الترابية وليس مجرد وعاء لتدبير إشكال آني.
وبعد انتهاء أشغال الدورة الاستثنائية، أصبح الملف معروضا بشكل مباشر على مكتب عامل عمالة المحمدية، الذي يملك صلاحيات مراقبة المشروعية والتأشير على المقررات الجماعية طبقا للمادتين 117 و118 من القانون التنظيمي للجماعات.
ويرى متابعون أن عامل المحمدية يوجد اليوم أمام اختبار تدبيري دقيق، بالنظر إلى حساسية الملف وتشابك أبعاده العقارية والبيئية والاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الجماعية والتشريعية، وما يفرضه ذلك من ضرورة احترام مبدأ حياد الإدارة وتفادي أي توظيف انتخابي محتمل للمشاريع الكبرى في نهاية الولاية الانتدابية.
ومن هذا المنطلق، لا يستبعد أن تتجه السلطات الإقليمية إلى مطالبة الجماعة باستكمال الدراسات التقنية والبيئية وإشراك وكالة الحوض المائي والمؤسسات المختصة قبل منح التأشيرة النهائية على المقرر، خاصة في ظل المعايير البيئية والعمرانية الصارمة التي يفرضها المحيط الجغرافي المرتبط بملعب الحسن الثاني الكبير ومشاريع مونديال 2030.
وبين من يعتبر المشروع خطوة نحو إعادة تنظيم النشاط التجاري وتأهيل السوق وإخراجه من دائرة العشوائية، ومن يرى أن شروط المبادلة ما تزال تحتاج إلى مزيد من الشرح والتدقيق وإعادة التقييم، يبقى المؤكد أن سيدي موسى بن علي تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، وأن الرهان لم يعد يتعلق فقط بنقل سوق أسبوعي من عقار إلى آخر، بل بصياغة رؤية ترابية متكاملة تحدد شكل الجماعة ومكانتها ووظائفها الاقتصادية والعمرانية خلال العقود المقبلة.
وطني 24 جريدة الكترونية مغربية شاملة
