المحمدية…النيابة العامة تطوي أولى فصول قضية “فيديو” سيدي موسى بن علي.. وإخلاء سبيل عون سلطة بعد البحث

المحمدية ـ عزيز بالرحمة

أسدلت النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية بالمحمدية، مساء اليوم الثلاثاء، الستار على أولى مراحل البحث التمهيدي في القضية التي شغلت الرأي العام والمحلي خلال الأيام الأخيرة، بعدما قررت إخلاء سبيل عون سلطة (مقدم قروي) تابع لقيادة سيدي موسى بن علي عمالة المحمدية، عقب تقديمه أمام أنظارها في إطار البحث الذي باشرته مصالح الضابطة القضائية للدرك الملكي، وذلك على خلفية شكاية تقدم بها رجل أمن يعمل بمدينة الدار البيضاء، تضمنت ادعاءات بوجود وقائع مرتبطة بالارتشاء والابتزاز.

ويأتي هذا القرار بعد أيام من الجدل الذي أثاره تداول شريط فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي، ظهر فيه رجل أمن، كان يرتدي لباسا مدنيا، في حوار مع عون السلطة أمام مقر سكن هذا الأخير بمركز الجماعة الترابية سيدي موسى بن علي، حيث وثق التسجيل لحظات تبادل الحديث والإشارات بين الطرفين، قبل أن تظهر أوراق نقدية وهي تسقط على الأرض، وهو المشهد الذي فتح الباب أمام تأويلات واسعة، ودفع السلطات القضائية إلى التفاعل الفوري مع الواقعة، تطبيقا للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل.

وبتعليمات مباشرة من النيابة العامة، انتقلت عناصر المركز القضائي للدرك الملكي بالمحمدية إلى عين المكان، حيث باشرت الإجراءات القانونية اللازمة، قبل أن يتم اقتياد الطرفين إلى مقر الضابطة القضائية من أجل الاستماع إليهما، وتحرير المحاضر القانونية، وتجميع مختلف المعطيات والقرائن المرتبطة بالقضية، في إطار بحث تمهيدي يروم الوقوف على حقيقة الوقائع المعروضة دون إصدار أي أحكام مسبقة.

وخلال مجريات البحث، تقرر وضع عون السلطة تحت تدبير الحراسة النظرية، بإذن من النيابة العامة، من أجل تعميق البحث والكشف عن جميع الظروف والملابسات المحيطة بالقضية، خاصة بعد تصريحات رجل الأمن، الذي أفاد، وفق المعطيات المتداولة، بأنه تعرض لابتزاز على خلفية ملف يتعلق بالبناء العشوائي، وهي الادعاءات التي خضعت للتمحيص والتحقيق من قبل الضابطة القضائية، في إطار ما يخوله لها القانون من صلاحيات.

وبعد استكمال مختلف إجراءات البحث التمهيدي، وتقديم عون السلطة أمام النيابة العامة صباح الثلاثاء، انتهى المسار الأولي للقضية بقرار يقضي بإخلاء سبيله، بعدما لم تسفر الأبحاث المنجزة عن توفر عناصر كافية لتأكيد قيام جنحة الارتشاء في هذه المرحلة من المسطرة، مع استمرار التعامل مع الملف وفق الضوابط القانونية التي تكفل حماية حقوق جميع الأطراف.

ويعكس هذا القرار، من الناحية القانونية، حرص النيابة العامة على التطبيق السليم للقانون، بعيدا عن أي تأثير قد تفرضه ردود الفعل المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ ظلت المؤسسة القضائية وفية لمبدأ أساسي يقوم على أن الأصل في الإنسان البراءة، وأن أي متابعة أو إدانة لا يمكن أن تقوم إلا على أدلة ثابتة ومستوفية للشروط القانونية، وبعد استنفاد جميع مراحل التقاضي التي يضمنها الدستور والقانون.

كما أبانت هذه القضية عن سرعة تفاعل النيابة العامة مع الوقائع التي تستأثر باهتمام الرأي العام، إذ باشرت إشرافها المباشر على البحث منذ اللحظات الأولى، وأصدرت تعليماتها للضابطة القضائية المختصة من أجل إنجاز الأبحاث اللازمة في ظروف تتسم بالحياد والموضوعية، بعيدا عن أي اعتبارات أخرى، بما يكرس مبدأ المساواة أمام القانون، ويعزز ثقة المواطنين في مؤسسات العدالة.

وفي المقابل، أظهرت مصالح المركز القضائي للدرك الملكي بالمحمدية مستوى من المهنية في تدبير الملف، من خلال تنفيذ تعليمات النيابة العامة، والاستماع إلى جميع الأطراف، وتجميع مختلف المعطيات المرتبطة بالواقعة، قبل إحالة نتائج البحث على السلطة القضائية المختصة لاتخاذ القرار الذي تراه مناسبا، وفق ما تقتضيه أحكام قانون المسطرة الجنائية.

وقد أعادت هذه القضية إلى الواجهة أهمية التحلي بالتريث عند تداول الوقائع التي تكون موضوع أبحاث قضائية جارية، إذ إن المقاطع المصورة، مهما بلغت درجة انتشارها، لا يمكن أن تشكل وحدها أساسا لإثبات المسؤولية الجنائية، باعتبار أن الفصل في الوقائع يبقى اختصاصا حصريا للسلطة القضائية، التي تستند في قراراتها إلى الأدلة القانونية والقرائن الموضوعية، وليس إلى الانطباعات أو الأحكام المسبقة.

ويؤكد هذا الملف، مرة أخرى، أن دولة الحق والقانون تقوم على ضمان التوازن بين حق المجتمع في معرفة الحقيقة، وحق الأفراد في التمتع بكامل ضمانات المحاكمة العادلة، وفي مقدمتها قرينة البراءة، التي تظل مبدأ دستوريا أصيلا، لا يمكن المساس به إلا بمقتضى حكم قضائي نهائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به.

وبذلك، يكون قرار إخلاء سبيل عون السلطة قد وضع حدا للمرحلة الأولى من هذا الملف، الذي استأثر باهتمام واسع داخل إقليم المحمدية، في انتظار ما قد تسفر عنه باقي الإجراءات القانونية، إن وجدت، في إطار احترام تام لاستقلال السلطة القضائية وسيادة القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave