نزار بركة: إصلاح المستشفى العمومي مدخل لترسيخ الدولة الاجتماعية والسيادة الصحية

أكد نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، أن إصلاح المستشفى العمومي لم يعد مجرد ورش قطاعي، بل أصبح رهاناً استراتيجياً يرتبط ببناء الدولة الاجتماعية، وترسيخ العدالة المجالية، وتعزيز السيادة الصحية للمملكة، معتبراً أن نجاح ورش تعميم الحماية الاجتماعية يستوجب إرساء منظومة صحية عمومية قوية وقادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين.

وجاء ذلك خلال الندوة التي نظمتها رابطة الأطباء الاستقلاليين حول موضوع “المستشفى العمومي والعرض الصحي بالمغرب: طموحات ورافعات الإصلاح”، بحضور عدد من أعضاء الحكومة والقيادات الحزبية والخبراء ومهنيي الصحة والإعلاميين.

واستهل بركة كلمته بالتأكيد على أن اللقاء يندرج ضمن مسار تجديد حزب الاستقلال لتعاقده مع المواطنات والمواطنين، على أساس الوضوح والمسؤولية واستعادة الثقة، مذكراً بالالتزامات السياسية الخمسة التي أعلنها الحزب خلال المجلس الوطني، والمتمثلة في حماية الأسرة ومنظومة القيم، وحماية القدرة الشرائية ومحاربة الريع، واعتماد سياسة “صفر تسامح” مع الفساد وتضارب المصالح، والدفاع عن المرفق العمومي، ثم تعزيز السيادة الوطنية الاقتصادية والتكنولوجية والغذائية والمائية والرقمية.

وأوضح الأمين العام أن الأسرة المغربية تظل الدعامة الأساسية للنموذج المجتمعي الوطني، وأن الحفاظ على الهوية الوطنية والثوابت الدستورية والقيم المغربية يمثل أولوية استراتيجية، في ظل التحولات المجتمعية المتسارعة وتأثير الفضاء الرقمي، مؤكداً التزام الحزب بتحصين الأسرة وتقوية روابط التضامن داخلها وحماية قيم الانتماء والتماسك المجتمعي.

وفي الجانب الاقتصادي، شدد بركة على أن حماية القدرة الشرائية ليست مجرد إجراء اقتصادي، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية، تقتضي حماية الطبقة الوسطى والفئات النشيطة والمتقاعدين، ومحاربة المضاربة والاحتكار وثقافة الريع والربح غير المشروع، مع تعزيز المنافسة الشريفة، وتقليص دور الوسطاء غير المنتجين، وتطوير منظومات التخزين واللوجستيك بما يضمن استقرار الأسعار.

كما جدد التزام الحزب بمحاربة الفساد واستغلال النفوذ وتضارب المصالح، وبناء اقتصاد يقوم على النزاهة وتكافؤ الفرص، معتبراً أن النجاح يجب أن يكون ثمرة الكفاءة والاستحقاق وليس الامتياز أو القرب.

وأكد أن التعليم والصحة والحماية الاجتماعية ليست نفقات عمومية، وإنما استثمار في الإنسان وركائز أساسية للكرامة والعدالة الاجتماعية والتماسك الوطني، داعياً إلى تعاقدات حكومية واضحة وقابلة للتتبع لضمان الارتقاء بجودة الخدمات العمومية.

وأضاف أن تعزيز السيادة الوطنية يمر عبر تسريع بناء السيادة الاقتصادية والتكنولوجية والغذائية والمائية والرقمية، والانخراط بقوة في قطاعات المستقبل، وفي مقدمتها الهيدروجين الأخضر والذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة والمعطيات السيادية، بما يعزز استقلال القرار الوطني ويرفع مكانة المغرب إقليمياً ودولياً.

وانتقل بركة بعد ذلك إلى محور الندوة، معتبراً أن المستشفى العمومي يوجد في صلب مشروع الدولة الاجتماعية الجديدة، وأن إصلاحه يشكل مدخلاً لإعادة بناء الثقة وضمان الإنصاف وتعزيز السيادة الصحية للمغاربة.

وأوضح أن قوة الدول لا تقاس فقط بحجم اقتصادها أو بنياتها التحتية أو قدراتها الصناعية والتكنولوجية، وإنما أيضاً بطريقة تعاملها مع المواطن عندما يمرض، متسائلاً: “هل يواجه المرض وحيداً، أم يجد وراءه دولة قوية وحاضرة ومتضامنة؟”.

واعتبر أن المستشفى العمومي ليس مجرد بناية أو إدارة، بل أحد أعمدة العقد الاجتماعي الوطني، لأنه يضمن ألا يتحول العلاج الجيد إلى امتياز يقتصر على القادرين، ويكفل المساواة بين المواطنين، سواء تعلق الأمر بطفل يولد في قرية جبلية أو بآخر في إحدى المدن الكبرى.

وأبرز الأمين العام لحزب الاستقلال أن المغرب، تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، نجح في إنجاز تاريخي تمثل في تعميم الحماية الاجتماعية، بعدما أصبح ملايين المغاربة يتوفرون على تغطية صحية، وهو ما كرس مبدأ أن الحماية من مخاطر المرض أصبحت حقاً مرتبطاً بالمواطنة، بعد سنوات كان المرض خلالها يعني بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر الاختيار بين العلاج أو الاستدانة أو التخلي عنه.

غير أنه شدد على أن النجاح في تعميم التغطية الصحية يفتح معركة ثانية لا تقل أهمية، تتمثل في ضمان الولوج الفعلي إلى علاج قريب وجيد ومنصف، موضحاً أن بطاقة التأمين الصحي تمنح الحق، لكن المستشفى والطبيب والممرض وجودة التنظيم الصحي هي التي تحول هذا الحق إلى واقع ملموس.

وأكد أن المستشفى العمومي يمثل القلب السيادي للمنظومة الصحية الوطنية، وأن دوره لا يمكن اختزاله في كونه مجرد مقدم خدمات ينافس القطاع الخاص، مشيراً إلى أن هذا الأخير شريك أساسي يساهم في الاستثمار والابتكار وتعزيز القدرات العلاجية، غير أن هناك مهام لا يمكن أن تخضع لمنطق السوق أو الربحية، من بينها التكفل بالمستعجلات والحالات الخطيرة، والأمراض النادرة والمعقدة، وتكوين الأطباء والأطر الصحية، وضمان الخدمات الصحية بالمناطق النائية، وهي وظائف يضطلع بها المستشفى العمومي باعتباره الضامن الأساسي للإنصاف والسيادة الصحية.

واعتبر نزار بركة أن الرهان الحقيقي الذي يواجه المغرب اليوم لا يقتصر على توسيع التغطية الصحية، بل يمتد إلى إرساء عرض صحي قادر على الاستجابة للحاجيات المتزايدة للمواطنين، مؤكداً أن إصلاح المنظومة الصحية يقتضي التعامل مع مختلف مكوناتها باعتبارها حلقات مترابطة لا يمكن فصلها عن بعضها البعض.

وأوضح أن المملكة راكمت خلال السنوات الأخيرة عدداً من المكتسبات المهمة، من بينها إصدار القانون الإطار المتعلق بالمنظومة الصحية، وإحداث المجموعات الصحية الترابية، وإصلاح الحكامة الصحية، وتعزيز استقلالية المؤسسات الصحية، فضلاً عن إطلاق مشاريع استثمارية كبرى لتأهيل البنيات التحتية الصحية، غير أن هذه الأوراش، بحسب قوله، لن تحقق أهدافها إلا إذا اقترنت بإصلاح فعلي للخدمات المقدمة للمواطنين.

وشدد الأمين العام لحزب الاستقلال على أن المستشفى العمومي مطالب اليوم باستعادة مكانته كمؤسسة للثقة، تقدم خدمات صحية ذات جودة وتحترم كرامة المرضى، معتبراً أن المواطن لا ينتظر فقط العلاج، وإنما ينتظر كذلك حسن الاستقبال، وسرعة التكفل، ووضوح المساطر، وتوفير الأدوية والتجهيزات الضرورية، واحترام المواعيد، بما يعزز ثقته في المرفق العمومي.

وأكد أن الاستثمار في الحجر وحده لا يكفي، لأن نجاح أي إصلاح رهين بالاستثمار في العنصر البشري، مبرزاً أن الطبيب والممرض والتقني والإداري يشكلون جميعاً العمود الفقري للمنظومة الصحية، وأن تحسين ظروف اشتغالهم وتحفيزهم وضمان استقرارهم المهني يبقى شرطاً أساسياً لإنجاح مختلف الإصلاحات.

وأضاف أن الخصاص الذي تعرفه الموارد البشرية الصحية ما يزال من أبرز التحديات المطروحة، سواء على مستوى عدد الأطباء أو الممرضين أو الأطر التقنية، وهو ما يفرض مواصلة الرفع من طاقة التكوين، وتحسين جاذبية المهن الصحية، واعتماد تحفيزات حقيقية تشجع على الاستقرار، خاصة بالمناطق القروية والجبلية والنائية التي تعاني خصاصاً كبيراً في الخدمات الصحية.

وأشار بركة إلى أن العدالة المجالية في الولوج إلى العلاج ينبغي أن تكون في صلب السياسات العمومية، مبرزاً أن الفوارق بين الجهات في العرض الصحي لا تزال قائمة، سواء من حيث توزيع المؤسسات الصحية أو التجهيزات أو الموارد البشرية، وهو ما يستوجب توجيه الاستثمارات العمومية وفق منطق الإنصاف الترابي، حتى يستفيد جميع المغاربة من الحقوق نفسها أينما كانوا.

وأكد أن التحول الرقمي يشكل إحدى الرافعات الأساسية لتطوير المنظومة الصحية، من خلال اعتماد الملف الطبي الإلكتروني، وتبادل المعطيات الصحية بطريقة آمنة، وتطوير خدمات الطب عن بعد، واستعمال الذكاء الاصطناعي في التشخيص والتدبير، بما يساهم في تحسين جودة الخدمات وتقليص آجال الانتظار وترشيد النفقات.

كما شدد على أهمية تطوير الصناعة الدوائية الوطنية وتعزيز السيادة الدوائية للمملكة، بما يضمن توفير الأدوية الأساسية وتقليص التبعية للخارج، خاصة في ظل الأزمات الدولية التي أظهرت أهمية الأمن الصحي والقدرة على إنتاج الأدوية واللقاحات والمستلزمات الطبية محلياً.

واعتبر أن جائحة “كوفيد-19” شكلت درساً عالمياً أبرز أهمية امتلاك منظومة صحية قوية وقادرة على مواجهة الأزمات، مشيراً إلى أن المغرب استطاع، بفضل التوجيهات الملكية، تدبير هذه المرحلة بكفاءة، غير أن التجربة أكدت أيضاً ضرورة تسريع الإصلاحات الهيكلية وتعزيز جاهزية المستشفيات والرفع من قدرات الاستجابة الصحية في مختلف الظروف.

وفي هذا السياق، دعا الأمين العام لحزب الاستقلال إلى اعتماد مقاربة تشاركية في تنزيل الإصلاح، تنخرط فيها الحكومة والمهنيون والجامعات والهيئات العلمية والمجتمع المدني، باعتبار أن إصلاح الصحة مسؤولية جماعية تتطلب تعبئة وطنية شاملة، وليس مجرد تدخل إداري أو تشريعي.

وأكد أن حزب الاستقلال سيواصل تقديم المقترحات والأفكار الكفيلة بإنجاح هذا الورش الوطني، انطلاقاً من قناعته بأن إصلاح المنظومة الصحية يشكل أحد المفاتيح الأساسية لبناء الدولة الاجتماعية التي أرادها الملك محمد السادس، وأن الحق في العلاج الكريم يجب أن يتحول إلى واقع يومي يلمسه جميع المغاربة دون تمييز.

وأكد نزار بركة أن نجاح ورش إصلاح المنظومة الصحية يظل رهيناً بإرساء حكامة ناجعة، تقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، واعتماد آليات دقيقة لتتبع وتقييم السياسات الصحية، بما يضمن حسن تدبير الموارد المالية والبشرية وتحقيق النجاعة المطلوبة في أداء المؤسسات الصحية.

وأوضح أن إصلاح المستشفى العمومي لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد مشروع إداري أو تقني، وإنما باعتباره خياراً مجتمعياً واستثماراً استراتيجياً في الإنسان، لأن توفير العلاج اللائق للمواطنين يشكل أساس التنمية الشاملة، ويعزز الثقة في المؤسسات، ويكرس مبادئ العدالة الاجتماعية التي يراهن عليها المغرب في المرحلة المقبلة.

وشدد على أن المرحلة الحالية تفرض تثمين الكفاءات الوطنية العاملة في القطاع الصحي، وتحسين أوضاعها المهنية والاجتماعية، وتوفير بيئة عمل تضمن الاستقرار والتحفيز، بما يحد من هجرة الأطباء والأطر الصحية نحو الخارج، ويساهم في الحفاظ على الرأسمال البشري الوطني الذي راكم خبرات مهمة خلال السنوات الماضية.

كما دعا إلى مواصلة الاستثمار في البحث العلمي والابتكار الطبي، وتقوية الشراكة بين الجامعات والمراكز الاستشفائية ومؤسسات البحث، بما يسمح بتطوير المعرفة الطبية الوطنية، وتشجيع الابتكار، ومواكبة التحولات العلمية والتكنولوجية التي يعرفها قطاع الصحة على المستوى الدولي.

واعتبر أن التكوين المستمر للأطر الصحية يشكل ركيزة أساسية لتحسين جودة الخدمات، مؤكداً ضرورة ملاءمة برامج التكوين مع التحولات التي يعرفها القطاع، وتطوير المهارات الرقمية والتكنولوجية للأطر الطبية والتمريضية والإدارية، حتى تتمكن من مواكبة الإصلاحات الكبرى التي يشهدها النظام الصحي.

وفي السياق ذاته، أبرز أن الإصلاح لا يمكن أن يحقق أهدافه دون ترسيخ ثقافة القرب والإنصات للمواطنين، واعتماد آليات لتلقي شكايات المرتفقين وتتبعها ومعالجتها، بما يضمن تحسين جودة الخدمات وتعزيز الثقة في المرفق العمومي.

وأكد أن ورش إصلاح الصحة يندرج ضمن الرؤية الملكية الرامية إلى بناء دولة اجتماعية قوية، تجعل المواطن في صلب السياسات العمومية، وتضمن له الحق في العلاج والعيش الكريم، مشيراً إلى أن المغرب يتوفر اليوم على فرصة تاريخية لإنجاح هذا الورش، بفضل الإصلاحات المؤسساتية والتشريعية التي تم إطلاقها خلال السنوات الأخيرة.

وأضاف أن حزب الاستقلال سيظل قوة اقتراحية مواكبة لهذا المشروع الوطني، من خلال تقديم التصورات والمبادرات الكفيلة بتجويد السياسات الصحية، والدفاع عن مستشفى عمومي قوي، وعادل، ومنصف، وقادر على الاستجابة لتطلعات المواطنين.

وفي ختام كلمته، توجه نزار بركة بالشكر إلى رابطة الأطباء الاستقلاليين على تنظيم هذه الندوة العلمية، معتبراً أن النقاش العمومي الرصين وتبادل الخبرات بين مختلف الفاعلين يشكلان مدخلاً أساسياً لإنجاح الإصلاحات الكبرى، وداعياً إلى مواصلة التعبئة الجماعية من أجل بناء منظومة صحية حديثة، قوامها الجودة والإنصاف والنجاعة.

واختتم الأمين العام لحزب الاستقلال كلمته بالتأكيد على أن الرهان لا يتعلق فقط بإصلاح قطاع الصحة، بل ببناء مغرب يضمن الكرامة لجميع مواطنيه، ويجعل الحق في العلاج واقعاً ملموساً، قائلاً إن الهدف هو “صحة للجميع، وكرامة للجميع، ومغرب يسير بسرعة واحدة”، باعتبارها الرسالة التي ينبغي أن توحد مختلف الفاعلين لإنجاح ورش الدولة الاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave