دخلت السياسة المائية بالمغرب مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من تدبير ندرة الموارد إلى ترسيخ أمن مائي مستدام، قوامه ضمان استمرارية التزود بالماء، وتسريع إنجاز البنيات التحتية، وحماية المخزون الجوفي، واستباق المخاطر الطبيعية. هذا التوجه شكل محور اجتماع تنسيقي ترأسه نزار بركة، وزير التجهيز والماء، بمقر الوزارة بالرباط، بحضور صلاح الدين الذهبي، المدير العام لهندسة المياه، إلى جانب المديرين المركزيين ومديري مختلف وكالات الأحواض المائية.
ولم يكن الاجتماع مجرد محطة لتقديم حصيلة تقنية أو استعراض مؤشرات ظرفية، بل جاء لتقييم الوضعية المائية لكل حوض على حدة، انطلاقا من حجم الموارد المتاحة وحاجيات السكان والقطاع الفلاحي، مع الوقوف على مدى تقدم المشاريع المائية الكبرى المبرمجة لتعزيز العرض خلال السنوات المقبلة، في سياق تتزايد فيه الضغوط المناخية وتتنامى رهانات الأمن المائي.
وفي هذا الإطار، وضع وزير التجهيز والماء أهدافا واضحة أمام مسؤولي وكالات الأحواض المائية، تقوم على ضمان التزويد بالماء الصالح للشرب بنسبة مائة في المائة، وتأمين ما لا يقل عن ثمانين في المائة من حاجيات مياه الري، باعتبارهما مؤشرين أساسيين لقياس نجاعة السياسة المائية، بعيدا عن الاقتصار على مراقبة نسب الملء أو حجم التساقطات.
ويعكس هذا التوجه تحولا في فلسفة تدبير القطاع، إذ لم يعد الرهان مقتصرا على توفير المياه خلال الظروف العادية، وإنما أصبح مرتبطا بقدرة المنظومة الوطنية على ضمان استمرارية الخدمة حتى في فترات الإجهاد المائي والتقلبات المناخية، بما يحفظ الأمن المائي ويؤمن حاجيات المواطنين والقطاع الفلاحي.
ولتحقيق هذه الأهداف، دعا بركة إلى الرفع من وتيرة إنجاز الأوراش المائية الكبرى، وفي مقدمتها مشاريع السدود ومحطات تحلية مياه البحر والمنشآت المائية المبرمجة، مع التشديد على ضرورة احترام الآجال الزمنية المحددة لإنجازها، بالنظر إلى الدور الاستراتيجي الذي ستضطلع به في تنويع مصادر التزويد وتقوية العرض المائي، والحد من هشاشة المناطق الأكثر عرضة لندرة المياه.
كما خص الاجتماع حيزا مهما لإشكالية العالم القروي، انطلاقا من قناعة مفادها أن توفر الموارد المائية لا يعني بالضرورة وصولها إلى جميع المواطنين.

وفي هذا السياق، شدد الوزير على ضرورة تعزيز التنسيق بين وكالات الأحواض المائية والشركات الجهوية متعددة الخدمات، قصد معالجة مختلف الصعوبات التي تعيق إيصال الماء الصالح للشرب إلى الساكنة القروية.
ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا بأن جزءا مهما من التحدي المائي لم يعد يرتبط فقط بتعبئة الموارد وإنتاج المياه، بل أصبح رهينا أيضا بكفاءة شبكات الربط والتوزيع وجودة الحكامة المؤسساتية، بما يفرض مزيدا من التكامل بين المؤسسات المكلفة بتدبير الموارد والهيئات المشرفة على توزيع الخدمة.
وبموازاة توسيع العرض المائي، أولى الاجتماع أهمية خاصة لحماية الموارد الجوفية، حيث دعا وزير التجهيز والماء إلى الإسراع باستكمال إعداد عقود الفرشات المائية، باعتبارها آلية قانونية وتنظيمية لتأطير استغلال المياه الجوفية وضمان استدامتها، بما يحافظ على توازنها الطبيعي ويمنع استنزافها، باعتبارها رصيدا استراتيجيا لا يمكن التعامل معه كمورد مفتوح خارج ضوابط الحكامة والتجدد.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية متزايدة في ظل تصاعد الضغط على الفرشات المائية، التي أصبحت تمثل احتياطيا أساسيا لعدد من المجالات الحيوية، الأمر الذي يجعل حسن تدبيرها اليوم رهانا مباشرا لضمان حق الأجيال المقبلة في الاستفادة من هذه الثروة الطبيعية.

ولم يغفل الاجتماع جانب الوقاية من المخاطر الطبيعية، إذ امتدت أشغاله إلى ملف الفيضانات، حيث شدد بركة على ضرورة تسريع إنجاز أطلس وطني للمناطق المهددة بالفيضانات، بهدف توفير قاعدة معطيات دقيقة حول المجالات الأكثر عرضة للخطر، بما يمكن من توجيه التدخلات الوقائية واعتماد سياسات استباقية تقلص من حجم الخسائر البشرية والمادية قبل وقوعها.
وتكشف التوجيهات الصادرة عن هذا الاجتماع أن خارطة الطريق الجديدة لوكالات الأحواض المائية تقوم على رؤية متكاملة تجمع بين تلبية الحاجيات الآنية والاستعداد لمتطلبات المستقبل، من خلال ضمان التزويد بالماء الصالح للشرب، وتأمين مياه السقي، وتسريع إنجاز المشاريع المائية، وحماية الموارد الجوفية، وتحسين الولوج إلى الماء بالعالم القروي، وتعزيز آليات الوقاية من أخطار الفيضانات.
وتندرج هذه الأولويات، وفق ما أكده وزير التجهيز والماء، في إطار مواصلة تنزيل الرؤية الملكية الرامية إلى تعزيز السيادة الاستراتيجية للمملكة في المجال المائي، وجعل الماء ركيزة من ركائز الأمن الوطني والتنمية المستدامة، وليس مجرد ملف يرتبط بتقلبات المناخ أو تعاقب سنوات الجفاف.
ويبقى التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة، في نظر المتتبعين، هو مدى قدرة مختلف المتدخلين على تحويل البرامج والاستثمارات الضخمة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن والفلاح على حد سواء، من خلال توفير مياه الشرب والسقي بصورة منتظمة، مع صيانة الرصيد المائي الوطني وضمان استدامته لفائدة الأجيال القادمة.
وطني 24 جريدة الكترونية مغربية شاملة
