التشهير الإعلامي في عصر الرقمنة.. جريمة أخلاقية وقانونية تهدد السمعة، الأسرة، والنسيج الاجتماعي

هل أنتم قضاة لتدينوا البشر قبل المحاكم؟

بـقـلـم / عـزيـز بـالـرحـمـة

تلعب الصحافة والإعلام دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام ونشر المعلومات داخل المجتمع، إذ تمثل وسيلة أساسية للتنوير والتثقيف وإشاعة المعرفة، غير أن هذا الدور يتلازم مع مسؤولية أخلاقية وقانونية جسيمة تجاه الأفراد والجماعات.

فالانحراف عن هذه الرسالة النبيلة نحو التشهير بالأشخاص يشكل خطراً حقيقياً على القيم المجتمعية، حيث يتحول الإعلام من أداة للتوعية إلى وسيلة للتدمير، ومن رسالة نبيلة إلى ممارسة مشينة تستهدف سمعة الأفراد وتسيء للنسيج الاجتماعي.

إن التشهير الإعلامي، سواء عبر المنابر التقليدية أو المنصات الرقمية الحديثة، يُعد انتهاكاً خطيراً لمبادئ العمل الصحفي، إذ يؤدي إلى تدمير سمعة الأشخاص، وتلطيخ مكانتهم الاجتماعية، وإلحاق أضرار مباشرة بحياتهم الخاصة.

والأدهى أن هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الضرر الاجتماعي، بل تمتد لتترك آثاراً نفسية عميقة، أبرزها القلق والاكتئاب وفقدان الثقة في الذات والمحيط، مما يكرس دائرة من الألم والمعاناة لا تنتهي.

لقد بات واضحاً أن بعض المنابر الإعلامية، في سعيها وراء نسب المشاهدة والسبق الصحفي، لا تتردد في التضحية بكرامة الأفراد وخصوصيتهم، في انعكاس صارخ لانحدار القيم الأخلاقية التي من المفترض أن تميز مهنة الصحافة.

فبدل التركيز على التحقيق الصحفي الرصين المبني على التحقق من المصادر، يتم الانجرار وراء الإثارة السطحية عبر عناوين تشهيرية وصور أو مقاطع مُنتزعة من سياقها.

إن تحويل قضايا شخصية إلى مادة للتشهير يخلق حالة من الشماتة والحقد داخل المجتمع، ويزرع بذور التفكك والتباعد بين مكوناته.

وتكشف حادثة مدينة الدار البيضاء و المحمدية مثالاً صارخاً على هذه الممارسات.

فقد شهدت المدينة، يوم الأحد الماضي، واقعة مؤلمة حين ألقت عناصر الشرطة القبض على زوج رفقة عشيقته في إحدى الشقق بعد عملية ترصد استمرت أكثر من 12 ساعة.

وبالرغم من أن الواقعة تدخل في إطار الجرائم الخاصة التي حدد القانون طرق إثباتها ومعالجتها، إلا أنها تحولت بسرعة إلى مادة للتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث جرى نشر تفاصيلها على نطاق واسع، وهو ما شكّل تشهيراً مباشراً بالمعنيين، وأثار جدلاً كبيراً حول تأثير هذه الممارسات على العلاقات الأسرية والحياة الزوجية.

وبالنظر إلى المقتضيات القانونية، فإن المادة 23 من قانون المسطرة الجنائية تلزم ضباط الشرطة القضائية بتحرير محاضر دقيقة لما ينجزونه من عمليات، وإخبار النيابة العامة فوراً بما يصل إلى علمهم من جنايات أو جنح.

فيما توضح المادة 24 أن المحضر هو وثيقة رسمية يضمنها الضابط ما عاينه أو ما تلقاه من تصريحات وما باشره من إجراءات تدخل في نطاق اختصاصه.

وتنص المادة 290 على أن هذه المحاضر يعتد بمضامينها ما لم يثبت عكسها بأي وسيلة من وسائل الإثبات.

وبناء على ذلك، فإن جريمتي الفساد والخيانة الزوجية لا تثبتان إلا من خلال محضر الضابطة القضائية في حالة التلبس أو وفق الحالات الخاصة المنصوص عليها في الفصل 56 من قانون المسطرة الجنائية.

أما غير ذلك من الوسائل، بما فيها الخبرة الجينية، فلا يُعتد بها في هذا السياق.

وهو ما يعكس بوضوح اعتماد العمل القضائي المغربي على محاضر التلبس في مثل هذه القضايا، بالنظر إلى خصوصيتها وحساسيتها.

إن إقحام وسائل التواصل الاجتماعي في مثل هذه الوقائع يضاعف من خطورة آثارها، إذ يؤدي إلى تدمير الثقة بين الأزواج، ويُحدث اضطرابات نفسية وعاطفية لدى الأبناء، قد تصل إلى الانفصال والطلاق وتفكك الأسرة.

وبذلك، فإن التشهير لا يقتصر على الأشخاص المعنيين مباشرة، بل يتجاوزهم ليصيب البنية الاجتماعية برمتها في مقتل.

القانون المغربي كان واضحاً في تجريم التشهير.

فالمادة 442 من القانون الجنائي تنص على أن نشر أو بث أخبار كاذبة أو إشاعات بهدف تشويه سمعة الأفراد يعاقب بالحبس والغرامة، فيما تضيف المادة 447 أن ارتكاب جريمة التشهير عبر وسائل الإعلام أو الإنترنت يعاقب بنفس العقوبة.

كما أن القانون 88.13 الصادر في 16 غشت 2017 المتعلق بالصحافة والنشر يُعاقب على نشر الأخبار الكاذبة أو المشوهة التي قد تضر بسمعة الأفراد، في حين يعزز القانون 31.13 المتعلق بحماية الأشخاص في المجال الرقمي حماية الأفراد من أي محتوى يسيء لسمعتهم عبر الإنترنت.

ومن زاوية أخرى، تبرز أهمية القانون 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، الذي دخل حيز التنفيذ بالمغرب وأثار نقاشاً واسعاً بين مؤيد اعتبره خطوة إصلاحية لتخفيف الاكتظاظ داخل السجون وإعادة إدماج المخالفين في المجتمع، وبين منتقد أبدى مخاوفه من صعوبات تنزيله عملياً.

ويأتي هذا النقاش متزامناً مع تزايد حوادث التشهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يجعل من الضروري التفكير في آليات قانونية واجتماعية أكثر صرامة لردع هذه الظاهرة وحماية الأسر من آثارها المدمرة.

لا يقتصر خطر التشهير على الأضرار الفردية أو الأسرية فحسب، بل يتعداها إلى تفكيك النسيج المجتمعي برمته، وزرع الشقاق والكراهية، وإضعاف القيم الأخلاقية المشتركة.

وهو ما يجعل من هذه الظاهرة جريمة مزدوجة: جريمة في حق القانون، وجريمة في حق المجتمع.

إن أخطر ما يواجهه المجتمع اليوم ليس فقط الجرائم التقليدية التي تعالجها المحاكم، وإنما الجرائم المعنوية التي يرتكبها إعلام مأجور يقتات على فضائح الناس، ويحوّل مآسيهم إلى عروض فرجوية للجمهور.

وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد على أن التشهير جريمة أخلاقية قبل أن يكون جريمة قانونية، وأن الذين يساهمون في نشره إنما يكشفون في الحقيقة سواد نفوسهم قبل أن يفضحوا غيرهم.

فالزمن لا يرحم، واليوم قد يتلذذ البعض بتشهير الآخرين، لكن غداً قد يجدون أنفسهم في مرمى التشهير ذاته.

ولذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة تقتضي تضافر جهود متعددة: أولاً من خلال التمسك بالقانون وتفعيل مقتضياته بصرامة، وثانياً عبر نشر الوعي المجتمعي بخطورة تداول أو مشاركة محتويات التشهير، وثالثاً عبر التزام الصحافيين والإعلاميين بالمسؤولية الأخلاقية والمهنية، حتى لا يتحول الإعلام إلى سلاح مدمر للقيم الإنسانية.

فالصحافة والإعلام، إذا فقدا ثقة الجمهور بسبب ممارسات التشهير، فإنهما يتحولان إلى عبء على المجتمع بدل أن يكونا قوة دفع نحو التقدم.

والمجتمع الذي يرضخ لمنطق الفضح والشماتة، بدلاً من احترام الكرامة الإنسانية، محكوم عليه بالتفكك والاضطراب.

ومن ثم فإن الخيار واضح: إما إعلام مسؤول يلتزم بمعاييره الأخلاقية والمهنية، أو إعلام مأجور يُغرق المجتمع في مستنقع الانحطاط والتشهير.

إن مواجهة ظاهرة التشهير لم تعد خياراً، بل ضرورة ملحّة لحماية المجتمع وصون كرامة أفراده.

لذلك، تقع المسؤولية أولاً على المشرّع من أجل تعزيز الترسانة القانونية وتحيينها بما يواكب تطور وسائل الإعلام والاتصال الرقمي، مع ضمان صرامة أكبر في معاقبة المخالفين.

كما تقع المسؤولية على عاتق الإعلاميين والصحافيين الذين ينبغي أن يستعيدوا جوهر رسالتهم النبيلة، وأن يلتزموا بأخلاقيات المهنة بعيداً عن إغراءات الإثارة والفضائح.

وأخيراً، فإن للجمهور دوراً حاسماً يتمثل في الوعي بخطورة مشاركة أو تداول محتويات التشهير، ورفض الانخراط في هذه الدائرة المدمرة.

إن بناء إعلام مسؤول وفضاء رقمي آمن لن يتحقق إلا بعمل مشترك يوازن بين حرية التعبير وواجب احترام الخصوصية، وبين حق الجمهور في المعلومة وحق الأفراد في الكرامة.

فالمجتمع الذي يحمي كرامة أفراده يحمي نفسه، ويؤسس لمستقبل يقوم على العدالة والاحترام المتبادل، بعيداً عن منطق التشهير الذي لا يجلب سوى التفكك والانهيار.

كفى عبثاً بكرامة الناس… كفى تلذذاً بتدمير النفوس… كفى صناعة محتوى قذر على حساب إنسانية الآخرين.

وليعلم كل من يساهم في هذا المستنقع، من قريب أو بعيد، أن التشهير جريمة أخلاقية قبل أن يكون جريمة قانونية، وأن ميزان الحياة لا يرحم.. من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر.

 من أنتم لتحاسبوا الناس وتجلدوهم علناً؟

هل أنتم ملائكة معصومون من الخطأ؟

هل أنتم قضاة لتدينوا البشر قبل المحاكم؟

التشهير ليس رأياً… التشهير ليس صحافة.

من الذي أعطى هؤلاء حق محاكمة الآخرين في محتويات رخيصة لا تخضع لأخلاق مهنة ولا لميثاق شرف إعلامي؟ التشهير ليس رأياً… التشهير ليس صحافة… التشهير هو أقذر أشكال الابتزاز العلني، يمارسه ضعفاء المهنة بحثاً عن “لايك” و” مشاهدة ” ودراهم المشاهدات.

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave