بـقـلـم : عـزيـز بـالـرحـمـة
في زمنٍ صارت فيه كرة القدم مرآةً لما هو أعمق من النتيجة، لم يعد الانتصار يُقاس بعدد الأهداف ولا بلمعان الكؤوس فقط، بل بما يتركه اللاعبون من أثر في الذاكرة، وبما يعكسونه من قيم حين تشتد اللحظة ويعلو التوتر وتضيق المساحات بين العقل والانفعال.
ومن هذا المنطلق، يحق للمغاربة جميعًا، دون استثناء، أن يفخروا بمنتخبهم الوطني.
منتخب لم يكن عاديًا في أدائه، ولم يكن عابرًا في حضوره، لأنه ببساطة منتخب بلاعبين في القمة… قمة في اللعب، وقمة في التنافس، وقمة في التضحية، لكن قبل كل ذلك قمة في الأخلاق والتربية والتواضع.
هؤلاء ليسوا لاعبين فقط، بل أبناء أصول، تشكّل وعيهم من تربة مغربية أصيلة، تربة لا تُنتج الاستفزاز ولا تُعلّم الإساءة، بل تُربي على ضبط النفس، واحترام الخصم، والالتزام بقيم اللعب النظيف حتى في أكثر اللحظات قسوة.
مشهد العيناوي سيظل شاهدًا حيًا على هذه المدرسة.
جبهة مشققة، دماء تسيل على العشب الأخضر في صورة تختزل معنى الانتماء، كأن الأرض شربت من دم لاعبها كما يشرب الوطن من عرق أبنائه.
ومع ذلك، لم نرَ غضبًا، لم نسمع احتجاجًا، لم نشاهد انفعالًا خارج السياق.
ضمّد جرحه بصمت الكبار، وعاد إلى المواجهة بروح رياضية عالية، لأن الرجولة عند المغاربة لا تُقاس بالصراخ، بل بالثبات.
ودياز بدوره قدّم درسًا آخر في السلوك الرياضي.
دافع عن حقه المشروع في ضربة جزاء صحيحة، لا بالاستفزاز ولا بالفوضى، بل بهدوء الواثق.
وحين انفلتت أعصاب الخصم، كان هو ورفاقه من يسعون خلف اللاعبين، لا للتصعيد، بل لمطالبتهم باستكمال اللقاء بأدب ومسؤولية. سلوك لا يصدر إلا عن لاعبين يدركون أنهم يمثلون وطنًا، لا مجرد فريق.
وحين أضاع ضربة الجزاء، سقط كما يسقط الفرسان.
لم يختبئ خلف التبريرات، ولم يتقمص دور الضحية، بل بكى بحرقة صادقة، بكاء طفل يحمل فوق كتفيه ثقل أمة بأكملها.
دموعه لم تكن ضعفا، بل كانت مرآة لصدق الانتماء، ودليلًا على الإحساس العميق بالمسؤولية، لأنه صادق في فرحه كما في حزنه، وفي ابتسامته كما في بكائه.
في الجهة المقابلة، شاهدنا انحدارًا أخلاقيا مؤسفا، وسقوطا في السلوك الرياضي دون أي إحساس بالندم أو الاعتذار.
لحظات كشفت الفارق بين من خسر مباراة فقط، ومن خسر معها صورته وقيمه.
وبين من خرج مهزومًا في النتيجة، لكنه منتصر في الأخلاق والاحترام.
لهذا نقولها بوضوح: هذا المنتخب لم يخسر شيئًا. لأنه ربح ما هو أبقى من الألقاب، ربح حب شعبه، واحترام المتابعين، وتقدير كل من يؤمن بأن الرياضة رسالة قبل أن تكون نتيجة.
أيها الأبطال، مكانكم محفوظ في قلوب المغاربة، ليس لأنكم لعبتم جيدًا فقط، بل لأنكم مثّلتم هذا الوطن كما ينبغي.
أنتم صورتنا التي نعتز بها، وصوت قيمنا حين تعلو الضوضاء، ودليلنا على أن المغرب حين يحضر، يحضر بأخلاقه قبل أي شيء.
ارفع رأسك… أنت مغربي. 🇲🇦
وطني 24 جريدة الكترونية مغربية شاملة
