لبنى الوزاني:قاضية مغربية تُعلي صوت العدالة في المحافل الدولية وتجسد حضور المرأة في فضاء القضاء

الـربـاط / عـزيـز بـالـرحـمـة 

في عالم تتقاطع فيه التحديات القانونية مع التحولات المجتمعية والمؤسساتية، تبرز شخصيات قضائية نسائية تشكل علامة فارقة في مشهد العدالة، وتعيد تشكيل صورة القاضي على أساس الكفاءة والانخراط الفعلي في القضايا الكبرى.

ومن بين هذه الشخصيات، تبرز القاضية المغربية لبنى الوزاني كإسم لامع في فضاء القضاء المغربي والدولي، بفضل مسار مهني أكاديمي غني، وتجربة قضائية رصينة، وحضور فاعل في منصات التعاون القضائي الأوروبي.

تشغل الوزاني حاليًا منصب محامية عامة بمحكمة النقض بالرباط، أعلى هيئة قضائية في البلاد، بعد مسار طويل من العمل القضائي والتكويني، حيث سبق لها أن تولت مهمة أستاذة بالمعهد العالي للقضاء، وهي المؤسسة التي تضطلع بمهمة تكوين القضاة وتأهيلهم.

وقد ساهمت الوزاني من موقعها الأكاديمي في تكوين وتأطير أجيال من القضاة، سواء من خلال المحاضرات المتخصصة أو من خلال المساهمة في تطوير المقررات والبرامج القانونية التي تواكب التحولات التشريعية والمؤسساتية في المغرب.

كما سبق لها أن عملت مستشارة قضائية بديوان وزير العدل، في مرحلة دقيقة عرفت تنزيل عدد من الإصلاحات المتعلقة باستقلال السلطة القضائية، وتحديث منظومة العدالة، وتعزيز الضمانات القانونية لحماية حقوق المتقاضين.

ومن خلال هذا المنصب، راكمت الوزاني خبرة فريدة في تقاطع السياسات العمومية مع البعد القضائي، وأسهمت في بلورة تصورات مؤسساتية ترتكز على مبدأ استقلال القضاء وربط المسؤولية بالمحاسبة.

منذ سنة 2012، تتولى الوزاني مهمة تمثيل الودادية الحسنية للقضاة – وهي إحدى أبرز الجمعيات المهنية للقضاة في المغرب – في اتحاد الجمعيات المهنية للقضاة الأوروبيين المعروف اختصارًا بـMEDEL (Magistrats Européens pour la Démocratie et les Libertés)، وهو اتحاد يضم 35 جمعية قضائية تمثل 35 دولة أوروبية، ويتخذ من العاصمة البلجيكية بروكسيل مقرًا رسميًا له.

تشارك الودادية الحسنية للقضاة في هذا الاتحاد بصفتها عضوًا ملاحظًا، وتضطلع الوزاني بدور المنسقة الرسمية بين الجمعية المغربية وMEDEL، ما يضعها في قلب النقاشات والتفاعلات القانونية الأوروبية التي تتمحور حول استقلال القضاء، وحماية القضاة، وتعزيز الحريات الأساسية.

ويُنظم الاتحاد حوالي أربعة اجتماعات سنويًا، تُعقد كل مرة في بلد أوروبي مختلف، حيث تُناقش خلالها قضايا جوهرية تمس مستقبل العدالة في السياق الإقليمي والدولي.

وتشمل مواضيع النقاش داخل MEDEL ما يلي:

وضعية استقلال السلطة القضائية في الدول الأعضاء، والتحديات التي تواجهها.

حق القضاة في التعبير ضمن الضوابط المهنية التي يفرضها واجب التحفظ.

إصدار بيانات ومرافعات قانونية للدفاع عن القضاة ومؤسساتهم.

تعزيز مبادئ الديمقراطية والحريات المنصوص عليها في الدساتير الوطنية والمعاهدات الدولية.

وفي سياق تثمين الجهود المغربية في هذا المجال، منحت رئيسة منظمة MEDEL، السيدة مارياروزاريا غولييلمي، شهادة رسمية تُثني من خلالها على الدور المحوري الذي تلعبه لبنى الوزاني منذ أزيد من عقد من الزمن، كممثلة للودادية الحسنية للقضاة.

 وقد ورد في الشهادة، الصادرة بتاريخ 29 أبريل 2025 بمدينة روما:

“أشهد بموجب هذه الوثيقة أن السيدة لبنى الوزاني، المحامية العامة لدى محكمة النقض بالمملكة المغربية، تمثل منذ سنة 2012 جمعية الودادية الحسنية للقضاة بالمغرب لدى منظمة MEDEL (القضاة الأوروبيون من أجل الديمقراطية والحريات).

وأغتنم هذه المناسبة لأشيد بالمساهمة المهمة التي قدمتها الوزاني، بصفتها ممثلة مرجعية وعضوة بصفة ملاحظة، في إطار النقاش والتعاون بين المنظمات الأعضاء في MEDEL على مرّ السنوات.”

تُعد هذه الشهادة بمثابة اعتراف دولي بكفاءة القاضية المغربية، ودليل على حضورها الفاعل في صياغة مواقف قانونية تتقاطع مع القضايا العالمية الكبرى، وعلى رأسها الدفاع عن استقلال القضاء، وصيانة كرامة القضاة، ومناهضة كل أشكال الضغط أو التدخل في العمل القضائي.

يأتي هذا المسار المتميز في سياق عام يعرف تطورًا ملحوظًا في حضور المرأة المغربية داخل الجهاز القضائي، وهو الحضور الذي انتقل من الهامش إلى صلب المؤسسات القضائية، بفضل الكفاءة والمثابرة، والرؤية المتبصرة التي اعتمدها المغرب في مجال تمكين النساء، لاسيما في المجالات المرتبطة بالعدالة والسلطة.

فالقاضية اليوم لم تعد مجرد استثناء، بل أصبحت طرفًا أساسيًا في صياغة وتفعيل السياسة القضائية، سواء من خلال ممارستها المهنية، أو من خلال مهام التكوين، أو عبر الأدوار التمثيلية على المستويين الإقليمي والدولي.

وتجسد الوزاني هذا التحول النوعي، حيث جمعت بين صرامة العمل القضائي، وألقت التكوين الأكاديمي، وفعالية الحضور الدبلوماسي القانوني، ما يجعلها نموذجًا يُحتذى به داخل منظومة العدالة.

في ظل التحديات المعقدة التي يعرفها قطاع العدالة، من إصلاح المنظومة إلى تعزيز الضمانات الدستورية، يبقى وجود قضاة من طينة لبنى الوزاني ضروريًا لترسيخ قيم الشفافية، والاستقلال، والعدالة الفعلية.

فمسارها يُلخص في طياته التقاء الجدية بالانفتاح، والانخراط المحلي بالتمثيل الدولي، والحرص على المهنية بعمق معرفي راقٍ.

وإذا كانت العدالة تُقاس بمستوى استقلال قضاتها، فإن القاضية الوزاني تُعد من بين أولئك الذين نذروا أنفسهم لحماية هذا المبدأ، محليًا ودوليًا، في محراب لا يعترف إلا بالكفاءة والالتزام والضمير المهني الحي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave