خطف شاب من جيل «Z» الأضواء، ببني يخلف ضواحي المحمدية، بعدما استوقف بصوته عامل عمالة المحمدية، عادل المالكي، مطالباً بتوفير ملاعب للقرب، في واقعة عفوية تحولت إلى مشهد إنساني لافت، بعدما اختار المسؤول الترابي التفاعل الفوري مع مطلب الشاب، بعيداً عن الرسميات والحواجز البروتوكولية، إذ ناداه وأمسك بيده واصطحبه نحو ملعب القرب المجاور لمركز المهارات والمسارات المهنية وريادة الأعمال، بحي مبروكة، في خطوة جسدت أسلوباً في تدبير العلاقة مع المواطنين قوامه الإنصات والتواضع والتواصل المباشر.
وتعود تفاصيل الواقعة، التي وثقها شريط فيديو ميداني، إلى لحظة دخول عامل المحمدية إلى مقر المركز المذكور، من أجل ترؤس اجتماع اللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، حين لمح شاب من أبناء المنطقة حضور المسؤول الأول عن الإدارة الترابية بالإقليم، فبادر إلى إطلاق مطلبه بصوت مرتفع قائلاً: «ديرو لينا التيرانات»، قبل أن ينصرف، دون أن يتوقع، على ما يبدو، أن تتحول عبارته إلى حوار مباشر مع العامل.
غير أن عادل المالكي لم يترك النداء يمر دون تفاعل، إذ نادى على الشاب، وأمسك بيده، واتجه رفقته نحو ملعب القرب المحاذي للمركز، قبل أن يسأله بالدارجة المغربية: «إلى حلو ليك هدا غادي تجي تلعب فيه؟»، ليرد الشاب بعفوية: «ضروري»، وهو الجواب الذي قابله العامل بقوله: «هاهو غادين يحلوه ليك».
ثوان معدودة كانت كافية لتحويل مطلب شبابي عفوي إلى مشهد يحمل أكثر من رسالة، ليس فقط بسبب سرعة استجابة العامل لنداء الشاب، وإنما أيضاً لطبيعة التعامل الذي طبع الحوار بين الطرفين. فالمسؤول الترابي، الذي كان بصدد الالتحاق باجتماع رسمي، اختار تخصيص لحظات للإنصات إلى شاب لا يحمل ملفاً مطلبياً ولا يمثل جمعية أو هيئة، وإنما عبر ببساطة عن حاجة مرتبطة بحياته اليومية.
ولعل أبرز ما ميز هذا الموقف أن المالكي لم يتعامل مع العبارة باعتبارها مقاطعة لتحركاته الرسمية، ولم يكتف بإجابة عابرة، بل بادر إلى استدعاء صاحبها ومرافقته شخصياً نحو المرفق الرياضي موضوع المطلب، في تصرف أضفى على الواقعة بعداً إنسانياً، وأظهر أهمية التواضع في ممارسة المسؤولية، حين يصبح القرب من المواطن سلوكاً ميدانياً لا مجرد شعار يرفع في المناسبات.
وإذا كان المشهد قد اتسم بالعفوية والبساطة، فإن دلالاته تتجاوز حدود الحوار الذي جمع العامل بالشاب، لتلامس طبيعة العلاقة بين الإدارة الترابية والأجيال الصاعدة، خصوصاً جيل «Z»، الذي بات يعبر عن انتظاراته بجرأة ووضوح، ويطالب بحقوقه في الاستفادة من المرافق والخدمات العمومية بلغة مباشرة، لا تحتمل كثيراً من التأويل.
فعبارة «ديرو لينا التيرانات»، رغم اختصارها، تختزل مطلباً اجتماعياً يرتبط بحق الشباب في الولوج إلى الفضاءات الرياضية، وما تتيحه من فرص لممارسة كرة القدم وصقل المواهب واستثمار أوقات الفراغ في أنشطة مفيدة. كما تفتح النقاش حول جدوى إحداث مرافق عمومية دون ضمان شروط استغلالها الفعلي، ومدى قدرة الجهات المسؤولة على تجاوز الإكراهات التي قد تحول دون استفادة الساكنة منها.
وفي هذا السياق، يكتسي جواب عامل المحمدية أهمية خاصة، بعدما وجه الشاب نحو ملعب قائم بجوار المركز، وربط استفادته منه بفتحه أمام المرتفقين، وهو ما يجعل القضية مرتبطة، في جانب منها، بتفعيل وظيفة مرفق رياضي موجود، وليس بالضرورة بإحداث منشأة جديدة.
ويطرح هذا المعطى سؤالاً مشروعاً حول مسؤولية الجهات المكلفة بتدبير ملاعب القرب وصيانتها وفتحها في وجه الشباب، لأن القيمة الحقيقية للاستثمارات العمومية لا تقاس بعدد المنشآت المنجزة أو حجم الاعتمادات المرصودة لها، بقدر ما تقاس بمدى استفادة المواطنين منها، وتحقيق الأهداف الاجتماعية التي أحدثت من أجلها.
كما أن تزامن الواقعة مع انعقاد اجتماع اللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية يمنحها دلالة إضافية، بالنظر إلى ما تمثله هذه المبادرة من آلية للنهوض بأوضاع الفئات المستهدفة، وتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للشباب، وتوسيع فرص مشاركتهم في التنمية المحلية.
ومن زاوية أخرى، فإن طريقة تعامل عادل المالكي مع الشاب تقدم نموذجاً للتواصل الميداني الذي يختصر المسافة بين المسؤول والمواطن، ويؤكد أن الإنصات الفعلي لا يشترط دائماً المرور عبر القنوات الإدارية التقليدية، بل قد يبدأ من كلمة عفوية يطلقها شاب في الشارع، فيجد أمامه مسؤولاً مستعداً للاستماع والتفاعل.
ولم تكن المصافحة أو الإمساك بيد الشاب ومرافقته نحو الملعب مجرد تفاصيل شكلية في المشهد، بل حملت رمزية إنسانية واضحة، إذ منحت الشاب فرصة مخاطبة المسؤول الترابي مباشرة، ومناقشة مطلبه دون وساطة أو إجراءات مسبقة، في صورة تعكس أهمية البساطة والتواضع في تعزيز الثقة بين الإدارة والمواطنين.
غير أن الإشادة بهذا الأسلوب في التواصل لا تلغي ضرورة ربطه بالنتائج العملية، إذ يبقى فتح ملعب القرب أمام شباب بني يخلف، وضمان استفادتهم المنتظمة منه، المعيار الحقيقي لمدى ترجمة هذا التفاعل الإيجابي إلى أثر ملموس على أرض الواقع.
فالإنصات إلى المطالب خطوة أساسية، والتفاعل معها يمنح المواطنين شعوراً بالاهتمام، لكن الاستجابة الفعلية تظل الحلقة الحاسمة التي تمنح مثل هذه المبادرات قيمتها التنموية والاجتماعية، وتكرس الثقة في قدرة المؤسسات على معالجة الانشغالات اليومية للساكنة.
وبين النداء العفوي «ديرو لينا التيرانات» والجواب المباشر «هاهو غادين يحلوه ليك»، اختزل شاب من جيل «Z» وعامل المحمدية مشهداً يستحق التوقف عند دلالاته، ليس فقط لما عكسه من تواضع وإنسانية في التعامل، بل لأنه أعاد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً حول الغاية من المرافق العمومية، ومدى قدرتها على الاستجابة لانتظارات الشباب.
وهي واقعة تؤكد أن بعض الرسائل الأكثر تعبيراً عن حاجيات المواطنين قد لا تصدر بالضرورة عن اجتماعات مطولة أو تقارير إدارية، وإنما قد تختصرها عبارة بسيطة ينطق بها شاب، فيجد صداها لدى مسؤول اختار أن ينصت إليه، ويمسك بيده، ويصطحبه نحو المرفق الذي يطالب بالاستفادة منه.
وطني 24 جريدة الكترونية مغربية شاملة
