بقلم : عزيز بالرحمة / مدير النشر “وطني24 “
في مشهد إنساني تختزل تفاصيله الكثير من معاني الوفاء والاعتراف بالجميل، استقبل عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، أستاذته السابقة السيدة حوسة فاطمة، التي أشرفت على تدريسه خلال مرحلة التعليم الثانوي بثانوية ابن حزم العريقة بمدينة فاس، في لقاء حمل دلالات تتجاوز حدود المناسبة، ليعيد إلى الواجهة قيمة العلاقة النبيلة التي تجمع الأستاذ بتلميذه، مهما امتدت السنوات وتغيرت المواقع والمسؤوليات.
اللقاء، الذي جرى يوم الخميس 24 شتنبر 2026، استحضر مكانة المدرسة والمربي في بناء الإنسان، وقدم صورة إنسانية لافتة عن الوفاء لمن أسهموا، في مرحلة مبكرة من العمر، في تشكيل شخصية التلميذ وصقل معارفه ومداركه. وقد شكل استقبال الأستاذة حوسة فاطمة مناسبة للتعبير عن التقدير والاعتراف بالدور الذي اضطلعت به في مسار أحد تلامذتها، قبل أن يواصل طريقه في الحياة ويتحمل مسؤوليات مهنية ووطنية رفيعة.
وفي عمق هذا المشهد، تبدو قيمة الوفاء باعتبارها إحدى العلامات التي لا تقاس بالمناصب ولا بحجم المسؤوليات، وإنما بقدرة الإنسان على الاحتفاظ في ذاكرته بأسماء ووجوه من كانوا جزءاً من بداياته. فالتلميذ، مهما ارتقى في مدارج الحياة، يظل مديناً للمعلم الذي حمل إليه أولى مفاتيح المعرفة، وفتح أمامه أبواب التعلم، وأسهم في بناء شخصيته وتكوين وعيه.
ومن هذه الزاوية، فإن استقبال الحموشي لأستاذته السابقة لا يختزل فقط في علاقة شخصية بين تلميذ ومربية، بل يحمل في رمزيته تقديراً لرسالة التعليم ولنساء ورجال المدرسة الذين يواصلون، بصبر وتفانٍ، أداء واحدة من أنبل الرسالات الإنسانية. فالمعلم لا يلقن المعرفة فحسب، وإنما يشارك في بناء الإنسان، ويزرع القيم، ويترك أثراً قد يظل ممتداً في وجدان تلامذته لعقود طويلة بعد مغادرة مقاعد الدراسة.
وتزداد رمزية هذا اللقاء بالنظر إلى المسار الذي قطعه عبد اللطيف حموشي منذ سنوات الدراسة، إذ يتولى اليوم مسؤولية قيادة المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بعد مسار مهني طويل داخل المؤسسة الأمنية. وتؤكد مصادر تعريفية رسمية ومسؤسساتية أن حموشي يشغل المنصبين معاً، كما راكم خلال مسيرته المهنية مسؤوليات وترقيات متعددة.
ولعل أجمل ما في هذا المشهد أن المسؤولية، مهما علت، لم تحجب صورة التلميذ الذي يتذكر أستاذته، ولم تمح من الذاكرة فضل امرأة أدت رسالتها التعليمية في زمن كانت فيه المدرسة فضاءً لصناعة الأجيال قبل أن تكون مجرد مؤسسة للتدريس.
فجميل الأستاذ لا يقاس بدرجة أو شهادة فقط، وإنما بما يتركه من أثر في شخصية الإنسان، وبما يزرعه من قيم قد ترافقه طوال حياته.
وفي هذا السياق، تبدو صورة الحموشي، في هذا اللقاء الإنساني، صورة رجل لم تنسه المسؤوليات والمهام الوطنية المتعددة جذور المسار الأول، ولم تحجب عنه المكانة التي بلغها فضل من علمه ووجهه في سنوات التكوين. فالوفاء، في معناه الأعمق، أن يتذكر الإنسان من أخذ بيده في بدايات الطريق، وأن يدرك أن النجاح لا يبدأ دائماً من مكاتب المسؤولين، وإنما كثيراً ما تكون بدايته من قسم دراسي، ومن كلمة أستاذ، ومن توجيه مربي.
كما أن هذا اللقاء يفتح نافذة على قيمة إنسانية راسخة في الثقافة المغربية، تتمثل في توقير الأستاذ والاعتراف بفضله، وهي قيمة تختزلها العبارة المأثورة بأن المعلم كاد أن يكون رسولاً؛ لما يحمله من مسؤولية في بناء العقول وتربية النفوس وتكوين الأجيال.
ومن خلال الأستاذة حوسة فاطمة، تحضر في هذا المشهد صورة آلاف المربيات والمربين الذين أفنوا سنوات من عمرهم في الفصل الدراسي، يؤدون رسالتهم في صمت، ويغادرون المؤسسات التعليمية بينما تبقى آثارهم حاضرة في حياة تلامذتهم.
وهكذا، فإن لقاء عبد اللطيف حموشي بأستاذته السابقة يحمل رسالة إنسانية واضحة: أن الإنسان مهما ارتفع شأنه، لا ينبغي أن ينسى من علمه، وأن الوفاء للمربي يظل من أرقى صور الاعتراف بالجميل.
وإذا كان عبد اللطيف حموشي قد ارتبط مساره المهني بتحمل مسؤوليات أمنية وطنية كبرى، فإن هذا المشهد الإنساني يعيد تقديم جانب آخر من الشخصية، عنوانه الوفاء والتواضع والاحتفاظ بذاكرة البدايات؛ وهي قيم تظل ذات دلالة خاصة حين تصدر عن مسؤول يوجد في موقع يفرض عليه يومياً تحمل أعباء ومسؤوليات جسيمة في خدمة الوطن والمواطنين، في إطار الاختصاصات المنوطة بالمؤسسات التي يشرف عليها.
وبذلك، تتحول لحظة استقبال أستاذة الأمس إلى أكثر من صورة عابرة؛ إنها صورة تختصر رحلة الإنسان من مقعد التلميذ إلى موقع المسؤولية، وتؤكد أن بين المرحلتين جسراً اسمه التربية والتعليم، وأن فضل المربي قد يرافق تلميذه حتى آخر محطات مساره.
فحين يتذكر المسؤول أستاذته، وتستعيد الأستاذة صورة تلميذ الأمس، تتحدث الصورة بلغة أبلغ من الكلمات: المعلم يزرع، والزمن يحصد، والوفاء وحده يحفظ الجميل من النسيان.
وطني 24 جريدة الكترونية مغربية شاملة
