أثار تدخل للمستشارة الجماعية نادية جلادو، خلال اجتماع اللجنة المحلية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بجماعة الشلالات، التابعة لعمالة المحمدية، نقاشاً لافتاً حول الأدوار الحقيقية للمنتخبين ومدى قدرتهم على تأطير الساكنة، بعدما ردت على تصريح لباشا الشلالات، عبد الحي شريف، بعبارة مباشرة وضعت كفاءة بعض أعضاء المجلس الجماعي في صلب النقاش.
وتعود تفاصيل الواقعة إلى صباح يوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026، خلال اجتماع ترأسه عبد الحي شريف، باشا باشوية الشلالات، بحضور قائدي الملحقتين الإداريتين الأولى والثانية وقائد الملحقة الثالثة، إلى جانب النائب الأول لرئيس المجلس الجماعي، الذي تولى متابعة أشغال الاجتماع مباشرة بعد مغادرة رئيس المجلس قاعة الاجتماعات، فضلاً عن ممثلين عن جمعيات المجتمع المدني وعدد من المصالح والمؤسسات المعنية بالتنمية المحلية.
وانطلق النقاش المثير للجدل عندما أكد الباشا، في معرض جوابه عن تدخل للمستشارة نادية جلادو، أن «دور المنتخبين هو تأطير الساكنة»، لترد عليه المستشارة، بجرأة وبأسلوب اتسم بالاحترام، قائلة: «السيد الباشا، كاين بعض المستشارين هما اللي خصهم التأطير»، وهي العبارة التي أثارت ردود فعل متباينة داخل قاعة الاجتماع، وحولت النقاش من الأدوار المفترضة للمنتخبين إلى مدى امتلاك بعضهم المؤهلات الضرورية للاضطلاع بهذه المسؤولية.
ولم يرق جواب المستشارة لإحدى الحاضرات، في حين نوه به آخرون، معتبرين أن تدخلها لامس إشكالية حقيقية تتعلق بمستوى التأطير السياسي والمؤسساتي لدى بعض أعضاء المجالس المنتخبة، ومدى استيعابهم لطبيعة الاختصاصات والمسؤوليات الملقاة على عاتقهم.
وحمل تدخل جلادو، في مضمونه، انتقاداً واضحاً لبعض الممارسات داخل المجالس الجماعية، خصوصاً تلك التي تختزل العمل الانتدابي في الحضور الشكلي للدورات والتصويت برفع الأيدي، دون انخراط فعلي في مناقشة الملفات أو الإلمام بمضامينها وانعكاساتها على مصالح المواطنين. وهو انتقاد يطرح، في العمق، سؤالاً حول جدوى التمثيلية الانتخابية عندما لا تواكبها المعرفة القانونية والكفاءة التدبيرية والقدرة على التواصل مع الساكنة وتأطيرها.
وفي مقابل ذلك، يكتسي تصريح باشا الشلالات أهمية مؤسساتية، بالنظر إلى أن تأطير المواطنين والتواصل معهم ونقل انشغالاتهم إلى المؤسسات المنتخبة يشكل جزءاً أساسياً من الوظيفة التمثيلية للمنتخب الجماعي. غير أن جواب المستشارة أعاد ترتيب أولويات هذا الدور، من خلال التأكيد، بصورة ضمنية، على أن من يتولى تأطير الساكنة مطالب، قبل ذلك، بامتلاك الحد الأدنى من التكوين والمعرفة بشؤون التدبير الجماعي.
واعتبر بعض الحاضرين أن جرأة جلادو تكمن في إثارة موضوع ظل، بحسب تقديرهم، بعيداً عن النقاش العلني داخل الاجتماعات الرسمية للمجلس الجماعي للشلالات، إذ لم يسبق، وفق هذا التقدير، أن أثار مستشار أو مستشارة بهذه الصراحة مسألة ضعف التأطير لدى بعض المنتخبين، وأمام ممثلي السلطات المحلية والمصالح الخارجية وجمعيات المجتمع المدني.
وجرى هذا النقاش بحضور ممثلين عن القسم الاجتماعي بعمالة المحمدية، ومؤسسة التعاون الوطني، ومديرية الصناعة التقليدية، والشركة الجهوية متعددة الخدمات المكلفة بتدبير قطاعي الماء والكهرباء، إلى جانب فعاليات جمعوية، في اجتماع خصص أساساً لتدارس مقترحات مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والوقوف عند أولويات التدخل التنموي على مستوى الجماعة.
وشمل جدول أعمال الاجتماع مناقشة مجموعة من المشاريع المقترحة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، استناداً إلى المذكرة التوجيهية الوزارية الصادرة برسم سنة 2025، والمتعلقة بالبرامج الرامية إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للفئات المستهدفة، وتعزيز البنيات التحتية والخدمات الأساسية بالمناطق الأقل تجهيزاً.
وتوزعت المحاور المعروضة للنقاش بين برنامج تحسين البنيات التحتية والخدمات الأساسية بالمناطق الأقل تجهيزاً، وبرنامج محاربة الفقر والهشاشة، وبرنامج إدماج الشباب وتحسين الدخل، فضلاً عن برنامج الرفع من التنمية المستدامة للأجيال الصاعدة، باعتبارها مجالات للتدخل تستهدف معالجة الاختلالات الاجتماعية والمجالية وتحسين ظروف عيش الساكنة.
كما شكل الاجتماع مناسبة لطرح مقترحات مشاريع تنموية في إطار البرامج المذكورة، واستحضار أهمية التنسيق بين السلطات المحلية والمجلس الجماعي والمصالح الخارجية والنسيج الجمعوي، بما يسمح بتحديد الحاجيات ذات الأولوية وتوجيه التدخلات نحو الفئات والمناطق الأكثر احتياجاً.
وإذا كانت أشغال اللجنة المحلية قد انصبت على مناقشة مشاريع ذات طابع اجتماعي وتنموي، فإن السجال الذي أثاره تصريح الباشا ورد المستشارة نادية جلادو أضفى على الاجتماع بعداً آخر، يتجاوز مناقشة المشاريع إلى مساءلة جودة الأداء التمثيلي داخل المجالس الجماعية، ومدى استعداد المنتخبين للانتقال من الحضور والتصويت إلى ممارسة أدوار فعلية في التأطير والترافع والمساهمة في صناعة القرار المحلي.
ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة إشكالية التكوين المستمر للمنتخبين الجماعيين، باعتباره أحد المداخل الأساسية للرفع من جودة التدبير الترابي. فنجاح البرامج التنموية لا يرتبط فقط بتوفير الاعتمادات المالية واقتراح المشاريع، بل يتوقف أيضاً على وجود منتخبين قادرين على فهم آليات اشتغال المؤسسات، وتشخيص حاجيات المواطنين، والتفاعل مع مختلف المتدخلين بكفاءة ومسؤولية.
وبين تأكيد الباشا أن مهمة المنتخبين تتمثل في تأطير الساكنة، وتشديد المستشارة، في ردها، على حاجة بعض المنتخبين أنفسهم إلى التأطير، برز سؤال جوهري يتجاوز حدود جماعة الشلالات: كيف يمكن للمنتخب أن يؤدي دوره في تأطير المواطنين والدفاع عن مصالحهم، إذا كان يفتقر هو نفسه إلى التأهيل والمعرفة الضروريين لممارسة مهامه؟
وبات هذا السؤال، الذي فرض نفسه خلال اجتماع خصص للتنمية البشرية، عنواناً لنقاش أوسع حول مسؤولية الأحزاب السياسية في تكوين مرشحيها ومنتخبيها، وحول ضرورة الارتقاء بالعمل الجماعي من مجرد ممارسة انتخابية إلى مسؤولية مؤسساتية قائمة على الكفاءة والمحاسبة وخدمة الصالح العام.
وطني 24 جريدة الكترونية مغربية شاملة
