جمع و وعى،ثم جمع فأوعى ،فاشترى و سكن و ركِب و لبس فأفنى، ثم باع و غشَّ و ربح و تربَّحَ و اغتنى ،ثم جمع و وعى ، و بدَّل الإسم و الصفة و النفس و أقنى ،ثم جمع من أضغاث كل شيء و أخفى،
ثم خلط بين الحِل و الحرام فأكل مال هذا و ضيَّع هذا،
و زور في هذه و بهث في أخرى ،و أصر على أن يسمي نفسه الحاج المصطفى و
حقيقة مسماه أنه “المصطفى المْسَخْسَخْ”،ثم لما حجَّ البيت ،لم يستطع أن يتخلص من الكنية،فصار “الحاج المسخْسخ”، و أما أصل الكنية فهو”المسخ “الفائض فكان “مسخا بازغا”،
و قد ترجَّى أن تُزالُ عنه الكنية و لو علق به نصف الإسم فقط .
المهم أن الحاج “المسخسخ” راكم الفلس فوق الفلس،و الدينار جنب الدينار و قَرَعَ الدرهم بالدرهم ، و من يعصاه، يُسَلَّط عليه الدرهم ليخونَه و قد يحبِسَه أو يسلخه أو يسلكَه عذابا صعدا، و من خانه الدرهمُ ،لم يفي بعهده الكثير، و من قلَّ مالُهُ، قلَّ أصحابُهُ، و تفرَّقَ عنه الجمع و ولَّوْهُ الدُّبُر،حتى الفئران تهجره و الصبيان تزدريه، و السفهاء تعبث برأسه و لحيته،فأنَّى له من ناصر إذا قلَّ درهمه او انعدم،و من ذا الذي يعمر قفْرِهُ و قد خلا من مل شيء،و على هذا ، فكل شيء ضده حتى الريح قد تقرضه إذا قرَّ الليلُ أو النهارُ ، أو تُدْمِي أنفَهُ و خدَّيهِ إذا اشتدت الهاجرَةُ ،فكيف إذا اصطدم مع أهل الدينار و الدرهم بل و مع خدَّام المال و المكاييل!!
المهم إذن أن أبو الدراهم لم يقنع بما جمع، فزاد و استزاد،
و لم يميز بين ما يحل و ما لا يحل و لو أنه يحج البيت مرة في كل عام ،و يعتمر في كل سنة مرة أو مرتين، و لا زال يستزيد و يستزيد و يستزيد، فبنى و أعلى و ناطح السماء و اشترى الأرضين و الحوانيت و لم يبق له إلا الشمسُ و القمر ،أما البحر فقد اقتطع له منه نصيبا و صار جزء من مصيفه و لو أنه رجل “بلدي “لا يعرف العوم و لا َ له قدُّ أبناء آدم و كم مرةٍ أكا “السويهله”،
و رمى بها في عباب البحر،
و كم مرة نزل بسرواله”المُقَندرس”المعصور اتجاه الصُّرَّة حتى تضاحك منه البقر و الشجر و الدواب و كثير من الناس …
و ها هو المصطفى قد بلغ من العمر عتيَّا،حتى صار لا ينهض من مقعده دون أن يتأفف أو يتألم او ينادي على الموتى حين يتعسَّر عليه النهوض إلا بعد لأي شديد و بعد أن ينادي “آ الوالدين؟!”..
لقد صار عاجزا عن أن يمدَّ يديه إلى قطع اللحم البقري، و صار ينظر إلى لحم الخروف و قد اغرورقتْ عيناه من الأسف و التأسف على عجزه، و من الغيرة والحسد من اللذين ينهشون اللحمَ و هو يرى كما تنهش السِّباعُ لحمَ الضِّباع ،
و صار لا يقوى على قيادة أساطيل سياراته التي صارت بيد أصهاره الجدد اللذين قبَّح اللهُ سعيهم ،حين صاروا يتفادونَ الحاج ، و لا يلبُّونَ رغباته حتى صار كمتاع يُنقلُ من هنا إلى هناك و صار يسمع و لا يتكلم و يُطعمُ و لا يَطْعم، و يُسقى و لا يسقي ..!!
و هكذا صار مملوكا بعد أن كان مالكا و صار بين هذا و ذاك وسيلة لينعم فيما ابتلاهُ الله فيه و عذبه به، أُناسٌ آخرون..!
و مع كل هذا لا يزال الحاج يُقاد ليمضي على أوراق و لم يعد قادرا حتى على الإمساك بها و لا بزال يسأل عن سعر السوق و ثمن المتر المربع و عن شراء بعض الدور و الأرضين و عن الفائدة عن القروض التي يقرضها للناس عبر أصهاره الجدد!!!
فمتى تُفيق أو تستفيق و قد مضى من العمر أكثره؟
و كأنك أقسمت على الله أن لا يتوب عليك؟
وطني 24 جريدة الكترونية مغربية شاملة
