المحمدية:الشلالات متنفس جهوي وسط ضغط الزوار وغلاء المدن يكشف هشاشة البنيات الطرقية

بقلم : عزيز بالرحمة – وطني24

مع توالي مواسم الربيع، تتحول الفضاءات الغابوية الممتدة بين الشلالات وسيدي موسى المجدوب وسيدي موسى بنعلي إلى أقطاب جذب مجالي تستقطب موجات بشرية كثيفة، مدفوعة بجاذبية طبيعية استثنائية وندرة البدائل البيئية المفتوحة داخل الحواضر المجاورة.

غير أن هذا الإقبال المتنامي، الذي يعكس تحولات عميقة في أنماط الترفيه الحضري، سرعان ما يكشف عن اختلالات بنيوية في منظومة التنقل والتهيئة، حيث تتجاوز الكثافة الاستعمالية القدرة الاستيعابية للبنيات الطرقية، فتتحول لحظات الاستجمام إلى مشاهد اختناق مروري واكتظاظ غير منظم.

وفي هذا السياق، نجحت مصالح الدرك الملكي، بمعية السلطة المحلية التابعة للملحقة الإدارية الثانية بباشوية الشلالات، عمالة المحمدية، في السيطرة على الوضع الذي عرفته الطرق المؤدية للمنتزهات الغابوية بتراب جماعة الشلالات، وعلى الخصوص منتزه الشلال وغابة كاسكاد، الأحد من الأسبوع الماضي، حيث سُجل اختناق مروري مهول بسبب توافد المواطنين من مختلف المناطق، من أجل الاستمتاع بسحر الطبيعة وجمالها الخلاب خلال فصل الربيع.

وقد عرفت هذه المحاور الطرقية، اليوم الأحد 5 أبريل الجاري، حركة دؤوبة وعادية، إذ لم يتم تسجيل أي اختناق مروري كما وقع في الأسبوع الماضي، وذلك بفضل خطة العمل المحكمة والانتشار الواسع لعناصر الدرك الملكي بالمركز الترابي الشلالات، بمؤازرة عناصر القوات المساعدة.

وشُوهد قائد مركز الدرك الملكي وهو يشرف ميدانياً على عملية تسريح حركة السير وتحرير الملك العمومي، إلى جانب تسجيل مخالفات السير والجولان، فيما عملت باقي العناصر على فرض احترام القانون عند مداخل غابة كاسكاد ومنتزه الشلال.

ورغم هذا التنظيم المحكم، فقد عرف المنتزهان توافداً كبيراً للمواطنين القادمين من مناطق الدار البيضاء وبنسليمان وبوزنيقة، في مشهد يعكس تزايد الإقبال على الفضاءات الطبيعية المفتوحة.

ويعزى هذا الإقبال، وفق قراءة تحليلية للمعطيات الميدانية، إلى جملة من العوامل السوسيو-اقتصادية، في مقدمتها غلاء الأسعار الذي أثقل كاهل الأسر المغربية، خاصة داخل المدن الكبرى، حيث أصبحت تكاليف المطاعم والمقاهي ووسائل الترفيه مرتفعة بشكل ملحوظ، ما يدفع شريحة واسعة من المواطنين إلى البحث عن بدائل أقل كلفة.

وفي هذا الإطار، تشكل منتزهات الشلالات خياراً مفضلاً للأسر، بالنظر إلى اتساعها الطبيعي واحتضانها لمساحات غابوية وأراضٍ فلاحية، إضافة إلى توفرها على مناخ طبيعي ملائم.

إذ تلجأ العديد من الأسر إلى جلب وجباتها الغذائية الخاصة، وفرش الأغطية في الهواء الطلق، وقضاء أوقات ترفيهية بتكلفة مالية بسيطة، في مقابل الكلفة المرتفعة التي تفرضها فضاءات الترفيه داخل المدن.

غير أن تحليل دينامية السير والجولان بهذه المجالات يبرز مفارقة مجالية واضحة، قائمة على عدم التوازن بين “الطلب الاجتماعي على الطبيعة” و”العرض البنيوي للنقل والولوجيات”.

فالطرق المؤدية إلى هذه الفضاءات، وعلى رأسها المحور المتفرع عن الطريق الوطنية رقم 1، تظل محدودة العرض، وأحادية الاتجاه في عدد من مقاطعها، وغير مهيأة لاستيعاب تدفقات مرورية موسمية مكثفة.

ويزداد الوضع تعقيداً بفعل السلوكيات المرتبطة بالاستعمال العشوائي للملك العمومي، خصوصاً الوقوف غير المنظم على جنبات الطريق، ما يؤدي إلى تقليص العرض الطرقي الفعلي وخلق نقاط اختناق تتحول سريعاً إلى شلل مروري.

ولا يمكن فصل هذه الوضعية عن غياب تصور مندمج لتدبير الحركية داخل المجالات الطبيعية ذات الجاذبية العالية، حيث تظل التدخلات الحالية، في مجملها، ذات طابع ظرفي، ترتكز على تعزيز الحضور الأمني وتنظيم السير بشكل آني، دون معالجة جوهر الإشكال المرتبط بضعف الهندسة الطرقية وغياب فضاءات مهيأة لركن السيارات أو مسارات بديلة لتصريف حركة التنقل.

وبحسب مصدر مسؤول تحدث لـ”وطني24″، مفضلاً عدم الكشف عن هويته، فإن المقاربة المعتمدة حالياً، رغم نجاعتها النسبية في الحد من الفوضى، لا يمكن أن تشكل حلاً مستداماً في ظل استمرار نفس الشروط البنيوية المنتجة للاختناق، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من منطق التدخل الموسمي إلى منطق التخطيط الاستراتيجي القائم على استباق الضغط المجالي.

وفي هذا الصدد، يبرز خيار تثنية الطريق المؤدية إلى هذه الفضاءات كمدخل أساسي لإعادة التوازن إلى حركة السير، بما يسمح بفصل اتجاهات التنقل وتقليص الاحتكاك المروري، إلى جانب إحداث مواقف منظمة للسيارات خارج المجال الغابوي، واعتماد مسارات ولوج مضبوطة تقلل من التداخل بين حركة العربات والراجلين.

كما يطرح بإلحاح إدماج هذه المناطق ضمن رؤية شمولية للتنمية الترابية، تأخذ بعين الاعتبار دورها كمتنفس بيئي لمدن كبرى، وما يستدعيه ذلك من استثمارات في البنية الطرقية والتشوير والسلامة الطرقية.

إن ما تعيشه منتزهات الشلالات وسيدي موسى المجدوب وسيدي موسى بنعلي لا يمكن اعتباره مجرد ضغط ظرفي مرتبط بموسم الربيع، بل هو مؤشر دال على تحولات عميقة في علاقة المواطن بالمجال الطبيعي، وعلى محدودية مواكبة السياسات العمومية لهذه التحولات.

وبين جاذبية الطبيعة وحدود التهيئة، تظل معادلة السير والجولان معلقة بين حلول ترقيعية آنية وحاجة ملحة إلى رؤية هيكلية تؤسس لتنقل مستدام، يضمن انسيابية الحركة ويحفظ في الآن ذاته القيمة البيئية لهذه الفضاءات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave