العياسي:إستقلال القضاء مطلب رسمي وشعبي وهو ما حفزنا على السير قدما في سبيل تحقيق هذا المطلب

مراكش:عزيز بالرحمة / تصوير-بنيحيا

قال السيد عبد الحق العياسي رئيس الودادية الحسنية للقضاة في كلمة له خلال الافتتاح الرسمي للمؤتمر الدولي للقضاة المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة القاضي الأول، الملك  محمد  السادس نصره الله وأيده،يوم الاثنين 15 أكتوبر الجاري بعاصمة  المرابطين ،مدينة  النخيل مراكش التي لا يمكنها  إلا  أن تتراقص ابتهاجا  باحتضانها  هذا الحدث الدولي المتميز الذي يتيح  لكل قضاة  العالم  فرصة  للالتقاء، و تبادل  الخبرات  و توحيد  الرؤى والمقاصد، كل  هذا  في سبيل الارتقاء بالقضاء و معه  العدالة  بشكل  عام إلى  أسمى  المستويات،  لتكون  على الصعيد الكوني، قاطرة  قوية  لإحقاق  الحق  و إزهاق الباطل،   و بالتالي  المساهمة  بشكل  فعال  في  نمو   عالمي مستدام،معلوم  أن الاتحاد الدولي  للقضاة منظمة دولية عريقة تعنى  بالشأن القضائي ، إذ تأسست  منذ سنة 1953 و حملت على  عاتقها  العمل  من أجل تحقيق عدة أهداف، بدءا بالدفاع  عن استقلال  السلطة القضائية كشرط أساسي للعمل  القضائي و لضمان الحقوق  و الحريات، مرورا  بحفظ المكانة المؤسساتية  و المعنوية للسلطة القضائية ،و كذا  توسيع و بلورة معارف  القضاة و ثقافاتهم  من خلال  عقد مثل هذه  التظاهرات  التي  تسمح  لكل قاض بالالتقاء  بزملائهم  من الدول الأخرى و بالتعرف  على بعض المنظمات الدولية و طريقة عملها، وصولا إلى  دراسة و تقييم  بعض القضايا  القانونية من وجهات نظر مختلفة .

على أساس هذه  الأهداف، التي تتقاطع بشكل كامل مع أهدافنا ، ارتأينا في الودادية الحسنية للقضاة  الانخراط  في هذه  المنظمة  منذ التأسيس ، أملنا أن نساهم في بلورة تطلعات قضاة  العالم، و في نفس الوقت  الاستفادة من تجارب  الدول الأخرى في مختلف المجالات القانونية ، القضائية و المؤسساتية.و لأن الدفاع عن استقلال السلطة القضائية  يبقى  المحرك الرئيسي و الهدف الأسمى لكل أنشطة الاتحاد، اسمحوا لي أن أذكر ببعض  من مبادرات الودادية  الحسنية للقضاة الرامية إلى الدفاع عن استقلال السلطة القضائية باعتبار أن هذا الأمر يبقى حجر الزاوية  في أي مدى  مصداقية عمل قضائي كان.

فمنذ 2006، وفي سابقة  من نوعها ، نظمت الودادية ندوة وطنية حول استقلال القضاء،  إذ عمدت إلى دعوة مختلف فعاليات المجتمع المغربي لها، و شارك في أشغالها ممثلون عن  جمعية هيئات المحامين، بعض الجمعيات  الحقوقية، الإعلام ممثلا في النقابة الوطنية للصحافيين، بعض أعضاء لجنة التشريع بمجلس النواب و مجلس المستشارين، أساتذة جامعيون إلى غير ذلك من الفعاليات المهتمة  بشؤون  العدالة…،حيث كانت  الغاية،  جس نبض مختلف هذه  المكونات حول موضوع استقلال القضاة، والتحسيس بحيوية هذا الموضوع و أهميته  بالنسبة  لبلادنا، و بالرغم  من تضارب  بعض المواقف بهذا الخصوص ، فقد  مكنتنا هذه الندوة من قناعة غاية  في الأهمية، تتمثل  في التأكيد على كون استقلال  القضاء مطلب  رسمي  و شعبي، و هو  ما حفزنا  على السير  قدما  في سبيل تحقيق  هذا المطلب.

و في هذا السياق يضيف العياسي، استضفنا في الودادية الحسنية للقضاة المؤتمر الدولي للقضاة في نسخته  الثانية والخمسون تحت  شعار  استقلال القضاء  و استقلال القاضي، حيث  كانت  مناسبة لنا  في الودادية لنتدارس مع زملائنا القضاة في الاتحاد الدولي أهمية موضوع استقلال السلطة القضائية و السبل الممكنة  لتحقيق ذلك من جهة،و من جهة أخرى لإعادة إثارة  الموضوع  وطنيا و عادة التحسيس به،  على الأقل من خلال وسائل الإعلام التي  قامت مشكورة بتغطية أشغال  المؤتمر .

و قد  استمرت الودادية في مراكمة رصيد هام من الأنشطة المتعلقة  باستقلال السلطة القضائية، إلى أن جاء الخطاب الملكي السامي ليوم 29 غشت 2009  المخلد لذكرى ثورة الملك و الشعب، حيث خصص  جلالته  خطابا كاملا لموضوع  إصلاح  منظومة العدالة ، دعا من خلاله إلى اعتماد خارطة طريق واضحة المعالم لأجل إصلاح شامل و عميق لهذه الأخيرة، و هو ما دفع  بالودادية إلى عقد مجموعة من الندوات  في هذا  الشأن، توجت بتنظيم  ندوة وطنية  تم خلالها  إصدار  مجموعة من التوصيات قصد الإنكباب على ورش الإصلاح بشكل لا يحيد عن ضرورة  استقلال  السلطة القضائية.

و لأن استقلال  القضاء لا يمكن أن يكون  ذو معنى  دون استقلال  القاضي ،  فقد عملت  الودادية  على تنظيم مجموعة من الورشات  لفائدة القضاة، حيث أثمرت هذه الورشات إصدار الودادية لمدونة القيم  القضائية، و هي مجموعة من المبادئ و القيم  التي  من المفترض أن يلتزم بها القاضي،  و التي يمثل  استقلاله أول  هذه القيم  و أهمها، لدرجة أن هذه المدونة شكلت مرجعا أساسيا للقضاة   في موضوع  استقلالهم  باعتراف عدد كبير من الشخصيات الوطنية  و الدولية ذات الصلة  بموضوع  العدالة، فاستقلال  القاضي هو ليس امتيازا له بمقدر ما هو ضمانة للمتقاضي بالتمتع  بشروط و مبادئ المحاكمة العادلة.

 و قد استمرت  الودادية  الحسنية  على  هذا  المنوال  محققة  تراكمات مهمة  من حيث  التحسيس بضرورة استقلال السلطة  القضائية، إلى أن جاء التعديل  الدستوري  لسنة  2011 والذي أنشأت لأجله  لجنة  مختصة مكونة  من خبراء و سياسيين و رجال قضاء و قانونيين و غيرهم، حيث كان لنا  شرف المساهمة  في أشغال  هذه اللجنة من خلال تقديمنا لمجموعة من المطالب و المقترحات  بخصوص استقلال السلطة القضائية، بل أكثر  من ذلك، و في سياق مخاض الدستور  الجديد، قمنا بمجموعة من المجهودات  على المستوى  الإعلامي،  من جهة لأجل مزيد من الإقناع بالنسبة لأعضاء اللجنة ،و من جهة أخرى  لإطلاع  الرأي العام على مطالبنا المشروعة، و هو  ما توج  بتنصيص  الوثيقة  الدستورية  الجديدة  على كون  القضاء سلطة مستقلة  عن باقي  السلط، حيث ارتقى به من هيئة إلى  سلطة مستقلة.

لكن، و إن كانت الوثيقة  الدستورية  واضحة  في نصوصها، إلا  أن تنزيل  هذه النصوص  في شكل  قوانين تنظيمية  لم يكن  بالأمر الهين، حيث  كانت  هناك مخاوف بشأن تحريف روح الدستور و الفلسفة التي بني عليها ، و بالرغم من عضويتنا كودادية داخل اللجنة العليا لإدارة الحوار الوطني  حول إصلاح منظومة  العدالة و التي  تم إحداثها  بغرض فتح  نقاشات  وطنية  تخص  كل شؤون العدالة ،و بالرغم  من الميثاق  الذي  تمخض عن عمل  هذه اللجنة ، فقد  وجدنا  أنفسنا مرة أخرى أمام معركة خاصة  بهذه القوانين التنظيمية حيث لا تحيد  عن روح الدستور ،و من لا يحيد  عن مطالبنا المشروعة و الذي ناضلنا من  أجلها  حتى يتحقق الاستقلال الفعلي المادي و المعنوي  للسلطة القضائية .

و في هذا الصدد، قمنا مرة أخرى بتقديم مجموعة من العرائض، كما عملنا على عقد لقاءات مباشرة مع مجموعة من الفرق البرلمانية  لشرح وجهات نظرنا و الدفاع عنها في إطار سياق  حافل بالآراء المتضاربة.

لقد كان للودادية الحسنية  للقضاة مسارا حافلا في إطار الدفاع عن استقلال السلطة القضائية و نحمد الله  أن الدستور الجديد ارتقى بالقضاء إلى  سلطة مستقلة، كما أن القوانين  التنظيمية الخاصة بهذه السلطة تم تنزيلها  بشكل  يستجيب بنسبة كبيرة  لتصوراتنا، إذ تم  إحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية بتركيبة تظم 10 قضاة منتخبين عن محاكم الاستئناف  و المحاكم الابتدائية ، بالإضافة إلى خمس أعضاء بصفاتهم وخمسة آخرون يعينهم صاحب الجلالة .هذا من جهة و من جهة أخرى، تم فصل النيابة  العامة عن  وزارة العدل و عن كل السلط الأخرى،  و هو ما يضعنا اليوم في قلب عملية  انتقالية مهمة و دقيقة تقتضي الكثير من الحنكة و حسن تدبير المرحلة، الأمر الذي ، لي اليقين أنه ليس بالبعيد عن المسؤولين  الذين  وضع على عاتقهم  تأمين هذه  المرحلة لما  عرف عنهم من حنكة و تبصر و تجربة قضائية  كبيرة،حاولت قدر الإمكان التركيز على بعض المحطات الهامة في مسار وداديتنا، ونعتقد أن استضافتنا لهذا المؤتمر هو دليل آخر على انخراط قضاة المملكة المغربية  في كل الجهود الرامية إلى الرقي بالسلطة القضائية وطنيا ودوليا.

فشكرا للسادة أعضاء الاتحاد الدولي على تحملهم عناء السفر  و تشريفهم لنا بالحضور والمشاركة في أشغال هذا اللقاء؛ وشكرا لكم جميعا على اهتمامكم ومشاركتهم معنا…و الشكر موصول لكل شركائنا الذين ساهموا من بعيد أو قريب في تنظيم هذه التظاهرة، وأخص بالذكر السيد الرئيس المنتدب والسادة أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية،السيد رئيس النيابة العامة وأعضاء هذه الأخيرة، السيد وزير العدل و معاونيه و السيد وزير الدولة المكلف بحقوق الانسان الذي أبى إلى أن يحضر دعما لنا رغم انشغالاته، و الشكر  لأستاذنا الفاضل  مربي  الأجيال  القضائية الأستاذ إدريس الضحاك  على حضوره و دعمه،و الشكر كذلك  لنقيب هيئة المحامين  بمراكش،و الشكر للسادة المكتب المركزي  للودادية و رؤساء  المكاتب الجهوية بها  على تضامنهم و دعمهم  ، السيد رئيس  و السادة أعضاء الهيئة الوطنية  للموثقين ،و للسيد الرئيس المدير العام لصندوق الإيداع  و التدبير  على دعمه، السيد والي جهة مراكش آسفي، السيد رئيس الجهة ، السيد مندوب  وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وموظفيه  ،و السيد  رئيس مجلس جماعة مراكش ،و للسيد الرئيس المدير  العام لاتصالات  المغرب، هذا دون نسيان أعضاء اللجنة التنظيمية و ممثلي المنابر الإعلامية … وباقي المصالح الأمنية من أمن و الدرك الملكي  و القوات المساعدة     و المصالح الطبية و غيرهم، و الوقاية المدنية  على بذبوله من جهد  في سبيل توفير  الظروف المريحة و الملائمة لإنجاح هذا المؤتمر و غيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave