«السرعة لا تعني التسرع».. عامل المحمدية يشهر ورقة الحزم في وجه المتهاونين بمشاريع التنمية البشرية

وجه عادل المالكي، عامل عمالة المحمدية، رسائل شديدة اللهجة إلى الجمعيات والتعاونيات الحاملة للمشاريع في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، واضعاً الأصبع على جملة من الإشكالات المرتبطة بتدبير المشاريع المدرة للدخل، ومشدداً على أن المسؤولية في تنزيل هذا الورش الملكي لا تحتمل الارتجال أو التهاون أو التعامل مع التمويلات المرصودة بمنطق الإنجاز الشكلي، بعيداً عن الأهداف التنموية والاجتماعية التي أُحدثت من أجلها المبادرة.

واختار المسؤول الترابي، خلال الاجتماع المنعقد صباح اليوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، بمركز المهارات والمسارات المهنية وريادة الأعمال، بحي مبروكة ببني يخلف، بضواحي مدينة المحمدية، عبارة بالغة الدلالة، حين أكد أن «السرعة لا تعني التسرع»، في رسالة مباشرة إلى مختلف المتدخلين في إعداد المشاريع وتنفيذها، مفادها أن تسريع وتيرة الإنجاز لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للقفز على مراحل الدراسة والتخطيط والتدبير المحكم، أو تقديم مشاريع تفتقر إلى شروط النجاح والاستمرارية.

ولم تمر هذه العبارة باعتبارها مجرد توجيه عابر في اجتماع رسمي، بل حملت في طياتها تنبيهاً إلى خطورة الخلط بين السرعة المطلوبة في تنفيذ البرامج التنموية، والتسرع الذي قد يحول المشاريع المدعمة إلى مبادرات محدودة الأثر، تستنزف الموارد دون أن تحقق النتائج المنتظرة منها. فالسرعة، في مفهوم التدبير المسؤول، تعني النجاعة واحترام الآجال وتجاوز التعقيدات غير المبررة، بينما يعني التسرع، في المقابل، المجازفة بجودة الإنجاز وإضعاف فرص نجاح المشاريع، وهو ما يتعارض مع فلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية القائمة على تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي حقيقي ومستدام.

وبدا من خلال توجيهات عامل المحمدية أن المرحلة تقتضي الانتقال من منطق تقديم المشاريع والمصادقة عليها إلى منطق النتائج والمردودية والمحاسبة، إذ لا يمكن اختزال نجاح المبادرة في عدد الملفات المقبولة أو حجم الاعتمادات المالية المرصودة، وإنما في مدى قدرة المشاريع على خلق فرص الشغل، وتحسين دخل المستفيدين، وضمان الاستمرارية، بعيداً عن المشاريع التي قد تنتهي فعاليتها بمجرد استنفاد الدعم المخصص لها.

وفي السياق ذاته، شدد المالكي على ضرورة ضبط الحسابات المالية للجمعيات والتعاونيات الحاملة للمشاريع ضبطاً سليماً، والالتزام الصارم بالمقتضيات القانونية والتنظيمية المؤطرة للتدبير المالي، في رسالة لا تقل صرامة عن سابقتها، مفادها أن الاستفادة من دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تقابلها مسؤوليات واضحة في الشفافية وحسن استعمال الموارد وتبرير النفقات.

ويطرح هذا التشديد المالي، من زاوية التحليل الصحفي، سؤالاً جوهرياً حول مدى استيعاب بعض حاملي المشاريع لطبيعة المسؤولية المترتبة عن تدبير الأموال المخصصة للتنمية البشرية، إذ لا يكفي الحصول على التمويل ورفع شعارات الإدماج الاقتصادي، ما لم تقترن تلك الالتزامات بمحاسبة مالية دقيقة، وتدبير قانوني سليم، ونتائج قابلة للتقييم على أرض الواقع.

ولم يكتف عامل عمالة المحمدية بالتنبيه إلى الجوانب المالية والتقنية، بل وجه إشارات قوية بشأن ضرورة بلورة المشاريع وفق رؤية واضحة، تستحضر الأهداف الحقيقية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتقطع مع أي تصور يحول الدعم إلى غاية في حد ذاته، عوض اعتباره وسيلة لإحداث أنشطة اقتصادية منتجة وقادرة على تحسين الأوضاع الاجتماعية للفئات المستهدفة.

غير أن أكثر الرسائل حزماً خلال الاجتماع كانت تلك المتعلقة بالانضباط داخل اللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بعدما أبدى المالكي موقفاً صارماً من الغيابات غير المبررة، مؤكداً أن حضور الاجتماعات ليس امتيازاً بروتوكولياً ولا مجرد إجراء شكلي، بل مسؤولية تستوجب الالتزام والمشاركة الفعلية في دراسة الملفات وتتبع المشاريع والمساهمة في اتخاذ القرارات.

وفي هذا الصدد، شدد عامل المحمدية على أن من يتغيب عن الاجتماعات دون عذر معقول لا يحق له الحضور مرة أخرى، وأن مكانه سيُملأ لإفساح المجال أمام من يريد الاشتغال بجدية ومسؤولية، في موقف يعكس رفضه استمرار الغياب غير المبرر داخل هيئة يفترض أن تضطلع بأدوار محورية في مواكبة واحد من أبرز الأوراش التنموية بالمملكة.

وتحمل هذه الرسالة دلالات تتجاوز مجرد ضبط الحضور والغياب، إذ تضع مسألة الالتزام المؤسساتي في صلب النقاش، وتثير تساؤلات مشروعة حول جدوى العضوية داخل اللجان الإقليمية إذا لم تقترن بالحضور المنتظم والمساهمة الفعلية في معالجة الملفات المعروضة عليها. فالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ليست فضاءً للحضور المناسباتي أو اكتساب الصفات، وإنما ورش يستوجب تعبئة مستمرة وكفاءة في التدبير وقدرة على اتخاذ القرارات وتحمل تبعاتها.

ومن شأن التساهل مع الغيابات غير المبررة، في مثل هذه الهيئات، أن ينعكس سلباً على انتظام أشغالها وسرعة البت في الملفات، وهو ما يجعل من الانضباط شرطاً أساسياً لتحقيق النجاعة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشاريع ترتبط بمصالح المواطنين وانتظارات الشباب والنساء والفئات الباحثة عن فرص الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

وأعاد عامل عمالة المحمدية التذكير بأن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ورش ملكي أطلقه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، مؤكداً ضرورة التقيد بأهدافه المسطرة والعمل على تنزيلها بكل جدية ودقة ومسؤولية، بما يضمن احترام فلسفته القائمة على محاربة الهشاشة وتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي وتحسين ظروف عيش المواطنين.

والواضح من مضمون هذه التوجيهات أن الرسالة الموجهة إلى مختلف الفاعلين لا تترك مجالاً للخلط بين الاستفادة من دعم المبادرة وتحمل المسؤولية المرتبطة به، كما لا تسمح باعتبار المشاركة في لجانها مجرد صفة إدارية خالية من الالتزامات. فكل مشروع يستفيد من التمويل مطالب بإثبات جدواه، وكل جهة حاملة له مطالبة بإحكام تدبيره، وكل عضو داخل اللجنة معني بالانخراط الجدي في أشغالها.

وبين التحذير من التسرع في تنفيذ المشاريع، والتشديد على سلامة الحسابات المالية، والتلويح بتعويض المتغيبين دون مبررات مقبولة، وضع عامل المحمدية أمام الجمعيات والتعاونيات وأعضاء اللجنة الإقليمية معادلة واضحة: لا قيمة للسرعة دون جودة، ولا معنى للتمويل دون نتائج، ولا جدوى من المسؤولية دون حضور والتزام ومحاسبة.

وإذا كانت عبارة «السرعة لا تعني التسرع» قد شكلت أبرز رسائل الاجتماع، فإن مضمونها الأعمق يختزل تحدياً أساسياً أمام مختلف المتدخلين، يتمثل في ضرورة القطع مع الارتجال في تدبير المشاريع، والانتقال إلى ثقافة الإنجاز المسؤول القائم على التخطيط والشفافية والنجاعة، حتى لا تتحول المشاريع المدرة للدخل إلى مجرد أرقام في الحصيلة الإدارية، بينما تظل آثارها الاقتصادية والاجتماعية دون مستوى الانتظارات.

ويبقى الاختبار الحقيقي لهذه التوجيهات مرهوناً بمدى ترجمتها إلى إجراءات عملية، تضمن حسن اختيار المشاريع وتتبع مراحل إنجازها ومراقبة تدبيرها المالي وتقييم نتائجها، لأن الرهان لا يتعلق فقط بسرعة صرف الاعتمادات أو إطلاق المبادرات، بل بقدرة هذه المشاريع على الصمود والاستمرار وتحقيق الأهداف التي رُصدت من أجلها الموارد.

ولنا عودة إلى تفاصيل هذا الاجتماع، وما تخلله من مداخلات ورسائل وتوجيهات المرتبطة بتدبير مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على مستوى عمالة المحمدية.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave