عافية صابر في رسالة إلى سكينة بنجلون: الاعتقال كان مختبراً لإعادة بناء الذات لا لحظة سقوط

الدارالبيضاء – عزيز بالرحمة

اختارت سيدة الأعمال والصحافية عافية صابر أن تخرج عن صمتها عبر تدوينة مطوّلة نشرتها على حسابها الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، موجهة رسالة مباشرة إلى سكينة بنجلون، في نص جمع بين السرد الشخصي والتأمل الفكري والإعلان عن تحولات مهنية وأكاديمية أعقبت تجربة اعتقال وصفتها بأنها كانت نتيجة “جرأة قلم”.

الرسالة لم تأتِ في صيغة دفاع أو تبرير، بل في صيغة إعادة تعريف للمرحلة برمتها، باعتبارها محطة تأسيس لا لحظة انكسار.

منذ مستهل التدوينة، حرصت صابر على التأكيد أنها تخاطب مخاطبتها “بصدق امرأة تعرف معنى العبور من العاصفة إلى الضوء”، وأنها لا تتحدث بكلمات مجاملة أو انفعال عابر.

وقدمت نفسها كامرأة “لم تُعرفها الجدران، ولم يُلخصها حكم، ولم تُختصر في مرحلة”، مشددة على أن الاعتقال لم يكن نهاية مسار، بل امتحاناً قاسياً لصلابة الروح.

وفي توصيفها لتجربتها داخل السجن، أوضحت أنها لم تخرج كما دخلت، إذ دخلت “امرأة تحمل اسماً” وخرجت “امرأة تحمل معنى”.

واعتبرت أن الزنزانة الضيقة لم تكن قيداً لوعيها، بل مساحة صمت أعادتها إلى جوهرها، وأن الجدران الباردة لم تطفئ يقينها، بل زادته اشتعالاً.

بالنسبة إليها، الحرية ليست جغرافيا، بل موقف، والكرامة ليست شعاراً، بل ثبات حين يحاول الآخرون كسر الإرادة.

وأكدت صابر أنها لم تغادر السجن حاقدة أو منهزمة، بل أكثر وضوحاً وإيماناً بأن الطريق الذي اختارته لم يكن نزوة عابرة، بل مسؤولية.

واعتبرت أن دفع ثمن الكلمة دليل على أنها كانت تستحق، مضيفة أن التجربة أسقطت عنها أوهاماً كثيرة، وعرفتها بمن يقف حقيقة إلى جانبها ومن يكتفي بالتصفيق.

وشددت على أن الإنسان لا يُقاس بالعثرات التي يمر بها، بل بما يبنيه بعدها.

وفي سياق حديثها عن ما بعد الاعتقال، أوضحت أن ما بدا في الظاهر توقفاً قسرياً كان في العمق إعادة ترتيب شاملة للذات.

وأعلنت أنها عمقت اشتغالها الأكاديمي واستثمرت بشكل أكبر في مسارها العلمي، مع التحضير لنيل شهادة الدكتوراه، انطلاقاً من قناعة مفادها أن التمكين الحقيقي يبدأ من تأسيس نظري صلب.

كما وسعت مشاريعها التعليمية، واعتمدت مقاربة أكثر استراتيجية في إدارة مؤسساتها التربوية، وعملت على تطوير تجربتها في مجال الإنتاج السينمائي، إلى جانب تعزيز حضورها الصحافي من خلال الجريدة التي تشرف عليها، باعتبارها مساحة وعي ومسؤولية لا مجرد منبر للنشر.

وأكدت أن كل خطوة بعد تلك المرحلة كانت محسوبة وناضجة ومبنية على رؤية واضحة، وأن النجاح لم يعد بالنسبة إليها مجرد تحقيق أهداف مهنية، بل إثباتاً صامتاً أن المرأة يمكن أن تمر من المحنة دون أن تنكسر، وأن تتحول من موضوع للحدث إلى فاعلة فيه.

كما شددت على أنها أصبحت أكثر هدوءاً في قراراتها، وأكثر استقلالاً في مواقفها، وأكثر وعياً سياسياً وقانونياً، ولم تعد تتعامل مع الحياة بردّ فعل، بل بخطة واضحة المعالم.

وتطرقت صابر إلى مسألة نظرة المجتمع، مؤكدة أن السجن لم يؤثر على عملها ولم يغير الصورة التي بناها الناس عنها عبر سنوات من الاجتهاد.

وأوضحت أنها عادت إلى مؤسساتها التعليمية أكثر حضوراً وقدرة على الإدارة والتطوير، وأن معيار الحكم في النهاية هو الاستمرارية وتراكم السيرة والنتائج، لا حدث عابر.

وأضافت أن الثقة تُبنى بالتراكم، وأن السمعة تُصان بالفعل لا بالدفاع عنها، لذلك لم تنشغل بتبرير ذاتها، بل انشغلت بالإنجاز.

وفي تحول نوعي، كشفت صابر أنها لم تكتفِ بتجاوز التجربة، بل قررت تحويلها إلى مجال للمعرفة، معلنة متابعتها لدراسة الكوتشينغ إلى جانب استكمالها لماستر في علم النفس.

وبررت هذا الخيار بإيمانها بأن الألم إذا لم يُفهم قد يهزم الإنسان، أما إذا دُرس فإنه يعيد تشكيله قوة ووعياً.

وأكدت أنها لم تعد فقط امرأة نجت من السجن، بل أصبحت تدرس الإنسان في هشاشته وقوته، سقوطه ونهوضه، واختارت أن تكون سنداً لكل من يمرّ بمرحلة عتمة.

كما شددت على أن علاقتها بالقلم ازدادت رسوخاً بعد التجربة، معتبرة الكتابة أنيسها ومجال متعتها، سواء في الرواية أو القصة أو الشعر والزجل، في تأكيد على استمرارها في التعبير الإبداعي إلى جانب مساراتها المهنية والعلمية.

وختمت صابر رسالتها بدعوة مباشرة إلى سكينة بنجلون للانتماء إلى “عالم النساء اللواتي لم يهزمهن السجن”، واللواتي حوّلن القيود إلى مفاتيح والجدران إلى منصات انطلاق والجراح إلى قوة تأثير، مؤكدة أنهن لسن ضحايا مرحلة، بل صانعات مرحلة جديدة، وأن تجربتها لم تكن محطة كسر، بل بداية إعادة بناء.

من زاوية تحليلية، تكشف تدوينة عافية صابر عن خطاب يقوم على إعادة تأطير التجربة السجنية ضمن مقاربة “إعادة البناء السردي للذات”، حيث يتحول الحدث السلبي إلى نقطة انطلاق لشرعنة مسار جديد قائم على الاستثمار في الرأسمال الرمزي والعلمي.

النص يوظف ثنائية السقوط/النهوض، القيد/الحرية، الألم/المعرفة، في بناء سردية تزاوج بين البعد الوجداني والبعد الاستراتيجي.

كما يظهر فيه وعي بأهمية الاستمرارية المهنية في الحفاظ على الصورة العمومية، مع نقل مركز الثقل من الدفاع عن الماضي إلى الاستثمار في المستقبل.

وبهذا المعنى، لا تُقرأ التدوينة فقط باعتبارها رسالة شخصية إلى سكينة بنجلون، بل كخطاب موجه للرأي العام، يسعى إلى تثبيت صورة فاعلة قادرة على تحويل المحنة إلى مشروع، والحدث إلى رافعة لإعادة التموضع داخل المجالين المهني والأكاديمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave