ثقافة الاعتراف في زمن المؤسسات.. حموشي يكرم ذاكرة الأمن الوطني ويؤسس لوفاء الدولة برجالاتها

بقلم : عزيز بالرحمة

في لحظة حملت الكثير من الرمزية والدلالات الإنسانية والمؤسساتية، خلدت أسرة الأمن الوطني الذكرى السبعين لتأسيسها، وسط أجواء امتزج فيها البعد الاحتفالي بروح الوفاء والاعتراف برجالات الدولة الذين تعاقبوا على خدمة المؤسسة الأمنية المغربية، في واحدة من أكثر اللحظات تأثيرا داخل هذا الموعد الوطني السنوي.

اللحظة لم تكن بروتوكولية عابرة، بل تحولت إلى مشهد وطني بليغ، بعدما خصّ المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، المدراء العامين السابقين للأمن الوطني بالتكريم والاستحضار الرمزي، في التفاتة وصفت من طرف متابعين بأنها “لحظة وفاء دولة تجاه ذاكرتها الأمنية”.

وقد شمل هذا التكريم أسماء طبعت مراحل مختلفة من تاريخ الأمن الوطني المغربي، ويتعلق الأمر بكل من بوشعيب ارميل، ومحمد الظريف، وحفيظ بنهاشم، وأحمد الميداوي، إلى جانب الشرقي اضريس، وهي أسماء ارتبطت بمحطات دقيقة من تاريخ المؤسسة الأمنية، وأسهمت، كل من موقعه، في ترسيخ استمرارية الجهاز الأمني المغربي وتحصين استقراره المؤسساتي.

هذا المشهد لم يكن مجرد تكريم لأشخاص، بل كان رسالة عميقة المعنى حول طبيعة الدولة المغربية التي تبني مؤسساتها بمنطق التراكم، وتحفظ الذاكرة الجماعية لمؤسساتها السيادية، بعيدا عن منطق القطيعة أو إلغاء الماضي.

فحين يقف المسؤول الأول عن الأمن الوطني اليوم لاستحضار من سبقوه في حمل الأمانة، فإن الأمر يتجاوز المجاملة الرمزية ليؤسس لثقافة سياسية وإدارية راقية قوامها الاعتراف والوفاء واحترام الامتداد المؤسساتي.

ويقرأ متتبعي الشأن الأمني بالمملكة أن هذه الالتفاتة باعتبارها امتدادا لشخصية عبد اللطيف حموشي، التي ارتبطت خلال السنوات الأخيرة بصورة المسؤول الهادئ، المتشبع بثقافة الدولة، والمؤمن بأن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بقدراتها العملياتية، بل أيضا بقدرتها على صون ذاكرتها الجماعية واحترام رجالاتها.

ففي زمن تتسارع فيه التحولات وتطغى فيه أحيانا لغة الجفاء المؤسساتي، اختار حموشي أن يقدم نموذجا مختلفا في تدبير الرمزية داخل المرفق الأمني، من خلال إعادة الاعتبار لقيمة الوفاء، ليس باعتبارها سلوكا أخلاقيا فقط، بل باعتبارها أيضا مدخلا لترسيخ الانتماء للمؤسسة وتعزيز الثقة في استمرارية الدولة.

كما أن هذا التكريم حمل أبعادا إنسانية واضحة، عكست جانبا من نبل الأخلاق والتواضع الذي يميز شخصية المدير العام للأمن الوطني، إذ بدا المشهد وكأنه رسالة تقدير صامتة لكل من أفنى سنوات من عمره في خدمة أمن الوطن واستقرار مؤسساته، بعيدا عن الأضواء والحسابات الضيقة.

ومن الناحية الرمزية، فإن استحضار المدراء العامين السابقين خلال الاحتفال بعيد الأمن الوطني، يؤكد أن المؤسسة الأمنية المغربية ليست مجرد جهاز إداري مرتبط بالمرحلة أو الأشخاص، بل هي مؤسسة دولة ممتدة في الزمن، تتقوى بتراكم التجارب والخبرات، وتستمد صلابتها من استمرارية رجالاتها وتنوع أجيالها.

إن هذا السلوك المؤسساتي الراقي يعكس أيضا مستوى النضج الذي بلغته الإدارة الأمنية المغربية تحت قيادة عبد اللطيف حموشي، سواء من حيث تحديث العقيدة الأمنية أو من حيث ترسيخ البعد الإنساني داخل المؤسسة، وهو ما جعل المديرية العامة للأمن الوطني تحظى خلال السنوات الأخيرة بصورة إيجابية لدى الرأي العام الوطني والدولي.

إن المغرب، كما يقول كثيرون، يظل قويا بمؤسساته، لكنه يزداد قوة حين تنتصر داخله قيم الاعتراف والوفاء وحفظ الذاكرة.

لذلك بدت هذه اللحظة، بكل تفاصيلها، أكبر من مجرد احتفال سنوي، بل تحولت إلى درس في الوطنية الهادئة، وفي أخلاق الدولة حين تكرم أبناءها وتعترف بعطاء رجالاتها، جيلا بعد جيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave