عرفت المنطقة التابعة للنفوذ الترابي للمكانسة الجنوبية، بجماعة بوسكورة إقليم النواصر، بضواحي مدينة الدار البيضاء، خلال الأشهر الأخيرة المنصرمة تحولًا لافتًا على مستوى الوضع الأمني.
هذا التحول لم يكن نتيجة ظرفية عابرة، وإنما ثمرة لمجهود أمني متواصل اعتمدته مصالح الدرك الملكي بالمركز الترابي للمكانسة، تحت إشراف قائد جديد التحق بمسؤولياته قبل ما يقارب السنة.
فبعد أن كان المواطنون يشتكون بشكل متكرر من تزايد السرقات وانتشار الاتجار بالمخدرات بشكل علني، خاصة داخل دوار “الثقلية” الذي ظل لسنوات طويلة بؤرة سوداء للجريمة والانحراف، بدأت ملامح الاستقرار تعود تدريجيًا إلى المنطقة، وهو ما أكده عدد من السكان في تصريحات متفرقة، حيث اعتبروا أن “الحياة اليومية أصبحت أكثر أمانًا”، وأن “الأطفال صاروا قادرين على التنقل إلى مدارسهم في أجواء أقل توترًا”، بل إن البعض وصف التحول الحاصل بأنه “انقلاب حقيقي على واقع كان يبعث على الخوف والقلق”.
التحول الأمني بالمكانسة الجنوبية تجسد أساسًا في العمليات النوعية التي قامت بها مصالح الدرك الملكي، والتي استهدفت معاقل الشبكات الإجرامية.
فقد تمكنت عناصر الدرك خلال الأسابيع الأخيرة من توقيف عدد من المبحوث عنهم بموجب مذكرات بحث وطنية، لتورطهم في قضايا تتعلق بترويج المخدرات بمختلف أنواعها، إضافة إلى إيقاف أفراد يُشتبه في ضلوعهم في سرقات بالعنف والسطو.
هذه العمليات، التي اتسمت بالسرعة والاحترافية، لم تقتصر على الاعتقال، بل شملت أيضًا تعزيز الحضور الميداني عبر الدوريات الليلية والنهارية ونصب سدود قضائية في مداخل ومخارج المنطقة.
وبحسب ما يوضحه بعض الفاعلين المحليين، فإن هذه التدخلات “بعثت برسائل واضحة إلى المجرمين مفادها أن المنطقة لم تعد فضاءً مفتوحًا أمام أنشطتهم غير القانونية”، كما أعادت الثقة في المؤسسة الأمنية باعتبارها قريبة من المواطن وحامية لاستقراره.
المعطيات الميدانية تتقاطع مع شهادات سكان دوار “الثقلية”، الذين أكدوا أن الوضع اليومي تغير بشكل كبير.
“كنا نعيش حالة خوف دائم بسبب الاعتداءات والسرقات، أما اليوم فقد عاد الهدوء تدريجيًا”، يقول أحد السكان، بينما تضيف سيدة أخرى: “كنا نخشى إرسال أبنائنا إلى المدارس في الصباح الباكر، أما الآن فنشعر بقدر أكبر من الطمأنينة”.
ومع ذلك، يظل جزء من الساكنة متيقظًا، معتبرًا أن “المجهود الأمني رغم أهميته، يحتاج إلى أن يواكبه عمل جماعي أوسع حتى لا تعود مظاهر الانفلات من جديد”.
تحليل الوضع الأمني بالمكانسة الجنوبية يكشف أن المقاربة الأمنية التي اعتمدتها مصالح الدرك الملكي نجحت في تفكيك بؤر الجريمة، لكنها في الآن ذاته أبرزت أن المعركة مع الانحراف لا يمكن أن تحسم أمنيًا فقط.
فالأحياء الهامشية مثل دوار “الثقلية” تعاني من هشاشة اجتماعية واقتصادية، تجعل من الشباب فئة هشة أمام إغراءات الانحراف.
ومن ثمة، فإن معالجة الظاهرة تستدعي تدخلًا متعدد الأبعاد يزاوج بين الأمني والاجتماعي والتنموي، ويضمن للشباب بدائل حقيقية من خلال توفير فضاءات رياضية وثقافية، ومبادرات لإدماجهم في سوق الشغل.
إحدى النقاط التي يثمنها سكان المكانسة الجنوبية تتمثل في سياسة الانفتاح التي ينهجها المركز الترابي للدرك، حيث يظل مكتب القائد مفتوحًا أمام عموم المواطنين لتلقي شكاياتهم وملاحظاتهم في إطار ما يتيحه القانون.
هذه السياسة عززت جسور الثقة بين المواطن والجهاز الأمني، وأعطت انطباعًا بأن المؤسسة الأمنية ليست مجرد سلطة ضابطة، بل شريكًا في الاستقرار والحياة اليومية.
إن الوضع الأمني بالمكانسة الجنوبية، كما يبرز من خلال التجربة الميدانية الأخيرة، يعكس أن المقاربة الأمنية الاستباقية يمكن أن تُحدث تحولًا حقيقيًا في حياة المواطنين.
غير أن الرهان الأكبر يبقى في الانتقال من “الأمن كمعالجة ظرفية للجريمة” إلى “الأمن كجزء من مقاربة شمولية” تتكامل فيها أدوار الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني والمؤسسات المحلية.
وبينما تواصل مصالح الدرك الملكي عملياتها الاستباقية وتوقيف المطلوبين للعدالة، يظل الأمل معقودًا على أن تجد هذه الجهود صدى في مبادرات اجتماعية وتنموية، تضمن استدامة الأمن، وتمنح أبناء المكانسة الجنوبية بيئة سليمة وآفاقًا أفضل.
وطني 24 جريدة الكترونية مغربية شاملة
