النيابة العامة بالمحمدية تأمر باعتقال المعتدين على قائد الشلالات وتخريب سيارة الدولة

أصدرت النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية بالمحمدية، مساء يوم الثلاثاء 22 يوليوز 2025، تعليماتها الصارمة بوضع أحد الأشخاص رهن تدبير الحراسة النظرية، وذلك على خلفية تورطه المفترض في واقعة اعتداء على قائد الملحقتين الإداريتين الأولى والثانية بباشوية الشلالات عمالة المحمدية، وما صاحب ذلك من تخريب طال سيارة الدولة التي كان على متنها رجل السلطة خلال تدخل ميداني لتحرير الملك العمومي داخل النفوذ الترابي لجماعة الشلالات.

القرار الصادر عن السيدة رابحة فتح النور، وكيلة جلالة الملك بالمحكمة الابتدائية بالمحمدية، لم يقتصر على اعتقال المتهم الرئيسي، بل شمل أيضًا إصدار أوامر فورية لمصالح الضابطة القضائية التابعة للمركز الترابي للدرك الملكي بالشلالات من أجل إحضار شخصين آخرين، شقيقين يعملان كبائعين متجولين للخضر والفواكه، فرا من مسرح الواقعة مباشرة بعد تنفيذ الاعتداء، وهما في حالة فرار إلى حدود اللحظة. وقد تم تحديد هويتهما، وانطلقت عملية تمشيط دقيقة بمحيط جماعة الشلالات من طرف فرق الدرك الملكي، بتنسيق مع القيادة الإقليمية بسرية المحمدية، في أفق توقيفهما وتقديمهما أمام النيابة العامة المختصة.

وتعود فصول هذه الواقعة إلى صباح يوم الثلاثاء المذكور، حين كان قائد الشلالات في مهمة ميدانية اعتيادية تتعلق بتنظيم الملك العمومي وإزالة مظاهر الاحتلال غير القانوني للشارع العام، وذلك على مستوى المدار الطرقي القريب من مقر الباشوية، حين تعرض لرشق مباشر بكؤوس زجاجية من طرف عدد من الأشخاص، ما أدى إلى تخريب زجاج الجهة الخلفية اليمنى لسيارة الدولة، التي تُعد من وسائل العمل الرسمية المخصصة لرجال السلطة أثناء تدخلاتهم الميدانية. وقد أحدث هذا الاعتداء حالة من الاستنفار في صفوف السلطات المحلية، حيث حلّت بعين المكان عناصر الدرك الملكي التابعة للمركز الترابي الشلالات، كما التحق باشا باشوية الشلالات بعين المكان فورًا، في أول يوم له بعد انتهاء عطلته السنوية.

وتندرج هذه الواقعة في سياق سلسلة من الاعتداءات التي استهدفت موظفين عموميين أثناء مزاولتهم لمهامهم الرسمية، والتي أصبحت تُثير قلقًا متزايدًا لدى مختلف الفاعلين، سواء على مستوى السلطة الترابية أو على مستوى الجسم الإعلامي، خاصة في ظل تكرار هذه الأفعال وتزايد حدّتها في الآونة الأخيرة. إذ تجدر الإشارة إلى أن المنطقة نفسها شهدت، بتاريخ 11 يونيو 2025، حادثًا مشابهًا استهدف صحفيًا مهنيًا خلال تغطيته الميدانية لعملية حجز كميات كبيرة من المواد الغذائية الفاسدة بدوار أولاد سيدي عبد النبي، التابع لجماعة الشلالات. الصحفي، الذي عرّف بنفسه وبصفته المهنية بشكل واضح، تعرّض لمحاصرة واعتداء جسدي، كما تم انتزاع هاتفه بالقوة ومنعه من مواصلة مهمته الإعلامية، في انتهاك صارخ للحقوق الدستورية المرتبطة بحرية الصحافة والعمل المهني الميداني.

وفي ظل تكرار هذه الاعتداءات، تتعالى أصوات حقوقية وقانونية محذرة من تنامي ظاهرة العنف الرمزي والفعلي ضد الموظفين العموميين ورجال السلطة والصحافيين، وهي ظاهرة متعددة الأبعاد لا يمكن فصلها عن السياق السوسيو-اقتصادي العام، المتسم بتصاعد الضغوط الاجتماعية وتراجع قدرة الدولة على ضبط توازن العلاقة بين السلطة والمواطن، في ظل هشاشة الوساطة الاجتماعية وضعف قنوات التواصل المؤسساتي.

ويؤكد عدد من الباحثين والفاعلين المدنيين أن العلاقة بين المواطن ورجل السلطة تعاني من اختلالات بنيوية، تتجلى في غياب التفاعل الفعّال والتواصل المنتظم بين الطرفين، حيث يُنظر إلى رجل السلطة، في الكثير من الحالات، كرمز للردع والمنع لا كشريك في التدبير المحلي، مما يخلق بيئة خصبة لتنامي الاحتقان والتصعيد الميداني. كما أن الفجوة آخذة في الاتساع بفعل تراجع دور المنتخبين المحليين، والفاعلين الجمعويين، وكل الهيئات الوسيطة التي من شأنها لعب دور الوسيط المؤسساتي الذي يساهم في تخفيف التوترات الاجتماعية وامتصاص الصدمات التي تحدث خلال التدخلات الإدارية.

وفي قراءة أعمق، فإن جزءًا من هذا السلوك الاحتجاجي العنيف ضد موظفي الدولة يمكن اعتباره نتيجة مباشرة لتراجع ثقة المواطن في المؤسسات، وشعوره المتنامي بالهشاشة والإقصاء في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، ما يجعله أكثر قابلية لرفض السلطة والاصطدام بها في لحظات التوتر. هذا الواقع المعقّد يدعو إلى تبني مقاربة شمولية، تتجاوز منطق المواجهة إلى منطق الإصغاء والحوار والتكوين المستمر لرجل السلطة في مجال تدبير النزاعات والوساطة المجتمعية، إلى جانب إعادة بناء الثقة في المؤسسات من خلال تحسين جودة الخدمات وضمان الإنصاف والعدالة المجالية.

على مستوى آخر، وتجسيدًا لحرص المؤسسة القضائية على حماية موظفي الدولة أثناء ممارسة مهامهم، سبق لرئيس النيابة العامة أن وجّه دورية رسمية إلى الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية، يؤكد فيها ضرورة التصدي الحازم لجميع أشكال الاعتداءات التي تطال الموظفين العموميين، وخاصة أولئك المكلفين بإنفاذ القوانين. وأشارت الدورية إلى وجوب تفعيل المقتضيات القانونية الزجرية المنصوص عليها في الفصول من 263 وما يليها من مجموعة القانون الجنائي، والتي تُجرّم الاعتداء على الموظفين أثناء أو بسبب أدائهم لمهامهم.

كما شدّدت على أهمية إنجاز أبحاث قضائية دقيقة تشمل الاستماع للضحايا والمشتبه فيهم والشهود، عند توفرهم، وتفريغ محتويات أي تسجيلات مرئية أو صوتية توثق لحظات الاعتداء، بالإضافة إلى التقيّد الصارم بمقتضيات المادة 24 من قانون المسطرة الجنائية، التي تفرض ضوابط شكلية وجوهرية في تحرير المحاضر، ضمانًا لسلامتها القانونية وسندها الحُجّي أمام القضاء.

وفي انتظار استكمال التحريات الجارية تحت إشراف مباشر من وكيلة جلالة الملك، تبقى عناصر الدرك الملكي بالمركز الترابي الشلالات منكبة على فكّ خيوط هذه القضية، التي تحمل في طياتها أبعادًا تتجاوز مجرد الاعتداء الفردي، لتلامس أزمات بنيوية أعمق متعلقة بعلاقة المجتمع بالدولة، وتمثلات السلطة في الوعي الجماعي، ومدى حضور الوساطة القانونية والاجتماعية في تهدئة الوضع وضمان استقرار الفضاء العمومي.

ومن المرتقب أن تُحال القضية أمام أنظار القضاء فور الانتهاء من جميع الأبحاث والإجراءات المسطرية، في احترام تام لمبدأ سمو القانون، وضمانًا لعدم الإفلات من العقاب، وصيانةً لهيبة الدولة وكرامة موظفيها، وترسيخًا لثقافة احترام القانون والمؤسسات في إطار دولة الحق والقانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave