بقلم : عزيز بالرحمة / مدير النشر “وطني24 “
يُجسد الفريق محمد معمر، نائب قائد القيادة العليا للدرك الملكي بالرباط، نموذجاً متقدماً للقيادة الأمنية التي تبلورت عبر مسار مهني طويل، اتسم بالتدرج المسؤول داخل مختلف مستويات جهاز الدرك الملكي، وبالقدرة على التوفيق بين الخبرة الميدانية والرؤية الاستراتيجية في تدبير الشأن الأمني.
ومن خلال تتبع مساره المهني، يتضح أن تجربة الفريق معمر لم تكن مجرد انتقال وظيفي بين مناصب متعددة، بل شكلت مساراً تراكمياً قائماً على اكتساب الخبرة في مجالات متنوعة، سواء على المستوى الترابي أو المركزي.
فقد اشتغل في عدد من المدن، من بينها فاس وأزرو، وهي محطات ميدانية أتاحت له الاحتكاك المباشر بتحديات الأمن المحلي، خاصة ما يرتبط بالجريمة بمختلف أشكالها، وضبط المجال الترابي، وتعزيز التنسيق مع باقي المتدخلين في منظومة الأمن.
هذا التراكم الميداني مهد لانتقاله إلى القيادة العليا للدرك الملكي بالرباط، حيث دخل مرحلة جديدة من مساره المهني، اتسمت بالاشتغال على الملفات الاستراتيجية ذات البعد الوطني.
ومن بين أبرز المناصب التي تقلدها، رئاسة قسم البيئة، وهو موقع حساس يندرج ضمن التحولات الحديثة لوظائف الأجهزة الأمنية، التي لم تعد تقتصر على محاربة الجريمة التقليدية، بل امتدت لتشمل الجرائم البيئية وحماية الموارد الطبيعية.
وفي هذا السياق، يعكس إشرافه على هذا القسم إدراكاً مؤسساتياً متقدماً لأهمية الأمن البيئي كجزء من الأمن الشامل.
كما شغل منصب رئيس أركان الدرك الملكي، وهو موقع محوري داخل البنية التنظيمية للجهاز، يضطلع بمهام التنسيق العملياتي وتدبير الموارد وتوجيه الاستراتيجيات الميدانية.
وقد خلفه في هذا المنصب الفريق عبد الرحمان لطفي، بعد تعيينه نائباً لقائد الدرك الملكي، في سياق يعكس دينامية داخلية قائمة على إعادة توزيع الكفاءات وفق متطلبات المرحلة.
وفي سنة 2015، عُيّن رئيساً لديوان الضباط ومصلحة الموارد البشرية خلفاً للجنرال المختار مصمم، وهي محطة ذات بعد مؤسساتي عميق، بالنظر إلى ارتباطها بإدارة الرأسمال البشري داخل الجهاز. وقد ساهم، من خلال هذا المنصب، في ترسيخ مقاربات حديثة في تدبير الموارد البشرية، قائمة على الكفاءة والاستحقاق، بما يعزز مهنية الجهاز ويواكب متطلبات الحكامة الأمنية.
كما شكلت ترقيته إلى رتبة لواء، بمناسبة عيد العرش لسنة 2015، اعترافاً رسمياً بالمجهودات التي بذلها في مختلف المناصب التي تقلدها، قبل أن يتم تعيينه سنة 2020 نائباً لقائد الدرك الملكي برتبة فريق(جنرال)، وهو منصب يعكس مستوى عالياً من المسؤولية داخل هرم القيادة العسكرية.
ومن زاوية تحليلية، يمكن قراءة مسار الفريق محمد معمر باعتباره نموذجاً لما يمكن تسميته بـ”التراكم الوظيفي النوعي”، حيث لا تُقاس التجربة فقط بعدد المناصب، بل بنوعيتها وبقدرة المسؤول على إحداث أثر مؤسساتي داخل كل موقع شغله.
فقد جمع بين التجربة الميدانية التي تتيح فهماً دقيقاً للتحولات الاجتماعية والأمنية، والتجربة المركزية التي تتطلب رؤية استراتيجية وقدرة على التخطيط والتنسيق.
كما يبرز في مساره بعد آخر يتعلق بتطور مفهوم الأمن داخل الدولة الحديثة، حيث أصبح جهاز الدرك الملكي مطالباً بالانخراط في قضايا متعددة الأبعاد، من بينها الأمن البيئي، الأمن القروي، تدبير الأزمات، ومواكبة التحولات المجتمعية.
وفي هذا الإطار، تبدو الأدوار التي اضطلع بها الفريق معمر منسجمة مع هذا التحول، بما يعكس قدرة على التكيف مع متطلبات المرحلة.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن الثقة التي يحظى بها على أعلى مستوى، حيث يندرج تعيينه في مناصب قيادية ضمن دينامية التعيينات التي يشرف عليها القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، الملك محمد السادس، وهي الثقة التي تُمنح للكفاءات التي راكمت تجربة مهنية وازنة وأثبتت التزامها بخدمة الوطن.
وفي المحصلة، يُعد الفريق محمد معمر أحد الوجوه البارزة داخل جهاز الدرك الملكي، ليس فقط بحكم المناصب التي تقلدها، بل بالنظر إلى المسار المتكامل الذي يعكسه، والقائم على الانضباط، والتدرج، والكفاءة، والقدرة على الإسهام في تطوير الأداء الأمني في سياق وطني يتسم بتعقيد التحديات وتعددها.
وهو ما يجعل من تجربته نموذجاً للدراسة في إطار التحليل الأكاديمي لمسارات النخب الأمنية داخل المؤسسات العسكرية.
وطني 24 جريدة الكترونية مغربية شاملة
