وزارة الداخلية تضع الأحزاب أمام لحظة الحقيقة: الإصلاح أو إعادة إنتاج الفساد

تعد الانتخابات التشريعية في المغرب محطة محورية في مسار التجربة الديمقراطية، حيث تعكس التوجهات والقيم السياسية للمجتمع. غير أن هذه المحطة، التي من المفترض أن تكون مناسبة لتجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات، شهدت في السنوات الأخيرة جدلا واسعا حول تزكية بعض الأحزاب لمرشحين ارتبطت أسماؤهم بالفساد واستغلال النفوذ، مما أثار تساؤلات عميقة حول أخلاقيات العمل السياسي ومصداقيته.

ومع اقتراب انتهاء الآجال التي حددتها وزارة الداخلية لتقديم المذكرات الخاصة بالانتخابات المقبلة، يجد المشهد السياسي نفسه أمام منعطف حاسم، حيث يتعين على الأحزاب تحديد موقفها: إما اعتماد وجوه جديدة تعكس قيم النزاهة والشفافية، أو الاستمرار في إعادة إنتاج نفس الشخصيات التي ارتبطت بالفضائح واستغلال المال العام وتضارب المصالح، وهو ما يهدد مصداقية العملية الانتخابية ويضعف ثقة المواطنين في مؤسساتهم المنتخبة.

تعتبر المحمدية نموذجا بارزا لهذه الإشكالية، إذ ارتبطت عدة جماعات ترابية خلال السنوات الأخيرة بملفات فساد واستغلال نفوذ، وأعمال إدارة سيئة أثرت على ثقة الساكنة في السياسة المحلية. ومن هذا المنطلق، يشكل دور وزارة الداخلية مهما في فرض قواعد واضحة تضمن عدم دخول المرشحين المتورطين في قضايا الفساد إلى سباق الانتخابات، وهو توجه يعكس الرغبة في إصلاح المشهد السياسي واستعادة ثقة المواطنين.

من الناحية القانونية، ينص الدستور المغربي على مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ويؤكد على ضرورة الالتزام بالنزاهة في العمليات الانتخابية، إلا أن التطبيق العملي لهذه المبادئ لا يزال يواجه تحديات كبيرة بسبب الممارسات التقليدية للتزكيات داخل الأحزاب، والتي غالبا ما تستخدم كأداة للمحسوبية والمصالح الضيقة.

تزكية أسماء ارتبطت بالفساد لا تعد مجرد خطأ سياسي، بل هي إفلاس أخلاقي قبل أن تكون خيارا انتخابيا، وتشكل رسالة واضحة بأن القيم الدستورية والمصلحة العامة أقل أولوية من المصالح الشخصية والزبونية الحزبية.

الرهان الأساسي اليوم أمام الأحزاب السياسية لا يقتصر على جمع الأصوات أو ضمان المقاعد، بل يتعلق بإثبات القدرة على استعادة ثقة المواطن وإظهار أن السياسة ما تزال أداة حقيقية لخدمة الصالح العام.

المواطن المغربي أصبح أكثر وعيا بممارسات الفساد وأدرك أن استمرار نفس الشخصيات المتورطة ينعكس سلبا على استقرار المؤسسات وفاعلية القرارات السياسية، وهو ما يجعل الالتزام بالنزاهة خيارا لا يمكن تجاوزه دون تداعيات خطيرة.

المشهد السياسي المغربي يواجه لحظة فارقة، عنوانها الأبرز: إما الالتزام بالقيم الأخلاقية والدستورية واختيار وجوه جديدة قادرة على تجديد المشهد الانتخابي، أو الاستمرار في إعادة إنتاج أعطاب الماضي، وهو ما سيؤدي إلى فقدان شرعية العمل السياسي وزيادة الانسداد بين المواطن والمؤسسات.

المحمدية، كما في مدن أخرى كفاس ومديونة وشيشاوة والصويرة وبنسليمان، تقدم نموذجا واضحا لهذه المعضلة، حيث أصبح من الضروري استبعاد كل من ارتبط اسمه بالفساد والفضائح لضمان انتخابات شفافة وعادلة.

إن نجاح الانتخابات المقبلة لن يقاس بعدد المقاعد أو حجم المشاركة فقط، بل بمدى قدرة الأحزاب على تقديم مرشحين يتمتعون بالكفاءة والنزاهة، واستعادة ثقة المواطنين في العملية الانتخابية وفي قدرة السياسة على أن تكون أداة لصالح الجميع، بعيداً عن كل أشكال الاستغلال والمحسوبية والفساد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave