آيت مانة يرفع شعار «الثبات».. لكن أين الحصيلة؟

بقلم : عزيز بالرحمة / مدير النشر « وطني24 »

أعادت تدوينة هشام آيت مانة، المنسق الإقليمي لحزب التجمع الوطني للأحرار والبرلماني عن دائرة المحمدية ورئيس مجلس جماعة المحمدية، المنشورة على الحساب الرسمي للكتابة الإقليمية للحزب بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، النقاش السياسي المحلي بالمحمدية إلى واجهة الأحداث، بعدما اختار المسؤول المنتخب الحديث عن «القناعة» و«الثبات» وترك الحكم على المسار لـ«العمل».

وقال آيت مانة في تدوينته: «دخلت للسياسة بقناعة واضحة ولون واحد… ومستمر بنفس الوفاء والثبات. المواقف ما كتبدلهاش الظروف… والعمل هو اللي كيهضر».

وإذا كانت العبارات الواردة في التدوينة تدخل، من حيث المبدأ، في إطار التعبير السياسي المشروع عن موقف شخصي، فإن الإشكال الذي تطرحه، سياسيا وإعلاميا، لا يتعلق بحق صاحبها في التعبير عن قناعاته، وإنما بما تغاضت عنه من عناصر يفترض أن تكون في صلب أي خطاب موجه إلى الرأي العام، خاصة عندما يصدر عن مسؤول منتخب يتحمل مسؤوليات سياسية وتشريعية وتدبيرية في آن واحد.

فعبارة «العمل هو اللي كيهضر» تفرض، منطقيا وسياسيا، سؤالا بسيطا ومشروعا: ما الذي يقوله هذا العمل بالأرقام والمعطيات والنتائج؟

فالسياسة الحديثة لا تقاس فقط بمدى ثبات الأشخاص على اختياراتهم الحزبية، ولا بعدد المرات التي يعلنون فيها تمسكهم بـ«اللون الواحد»، وإنما تقاس كذلك بقدرتهم على تقديم حصيلة قابلة للقياس، وشرح ما تحقق، وما لم يتحقق، وتحديد المسؤوليات والآجال والنتائج.

وهنا تحديدا تبدو التدوينة، في نظر منتقديها، أقل من مستوى الأسئلة التي يفرضها موقع صاحبها. فحين يتعلق الأمر برئيس مجلس جماعة، فإن الحديث عن «العمل» يفترض أن يكون مصحوبا بمعطيات دقيقة حول البرامج والمشاريع والقرارات والالتزامات والنتائج، بدل الاكتفاء برسائل سياسية عامة تحتمل قراءات متعددة.

ولا يتعلق الأمر بمطالبة آيت مانة بتقديم «دفاع انتخابي» عن نفسه، ولا بمحاكمته سياسيا من خلال تدوينة واحدة، وإنما بطرح سؤال جوهري يهم كل مسؤول منتخب: ما هي الحصيلة التي يمكن للرأي العام أن يقيس من خلالها هذا العمل؟

فالمواطن لا يحتاج، في نهاية المطاف، إلى معرفة لون السياسي بقدر حاجته إلى معرفة ما إذا كانت الوعود قد تحولت إلى سياسات عمومية، وما إذا كانت المشاريع المعلنة قد أنجزت، وما هي نسب تنفيذ البرامج، وما الذي تغير فعليا في حياة السكان.

كما أن اختزال الممارسة السياسية في مفاهيم من قبيل «الوفاء» و«الثبات» قد يعطي الانطباع بأن معيار النجاح السياسي هو الاستمرارية في الانتماء والاختيار، بينما الديمقراطية التمثيلية تقوم، إلى جانب ذلك، على المساءلة وتقييم الأداء وربط المسؤولية بالنتائج.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التدوينة باعتبارها خطابا سياسيا يركز على الهوية السياسية لصاحبه أكثر مما يقدم أجوبة عن أسئلة التدبير العمومي. وهو ما يفسر، إلى حد كبير، الجدل الذي رافقها في أوساط متتبعي الشأن المحلي بالمحمدية.

ففي الوقت الذي اعتبر فيه مؤيدون أن الرسالة تعكس تمسك آيت منا بخياراته السياسية ورفضه تغيير مواقفه تبعا للظروف، رأى منتقدون أن المرحلة تقتضي خطابا أكثر دقة، يقوم على عرض الحصيلة بدل الاكتفاء بالتأكيد على الثبات.

والنقد، في هذه الحالة، لا يعني التشكيك في النيات أو القناعات الشخصية، وإنما مساءلة الخطاب السياسي ذاته: هل تكفي عبارة «العمل هو اللي كيهضر» عندما يكون صاحبها في موقع المسؤولية؟ أم أن العمل، لكي «يتحدث»، يحتاج إلى أن يقدم للرأي العام أرقاما ووثائق ومؤشرات تمكنه من التقييم والمقارنة؟

ثم إن أهمية هذا النقاش تتضاعف في سياق الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث تصبح مسؤولية جميع الفاعلين السياسيين مضاعفة في احترام قواعد التنافس النزيه، والابتعاد عن توظيف المسؤوليات والمؤسسات العمومية في الدعاية الانتخابية، وترك المواطن أمام برامج وحصائل واضحة بدل الرسائل الموحية أو الشعارات العامة.

ومن منظور صحفي مهني، فإن تناول هذه التدوينة لا ينبغي أن يتحول إلى حملة ضد صاحبها، كما لا ينبغي أن يتحول إلى مادة ترويجية له. المعيار الوحيد هو إخضاع الخطاب السياسي للنقاش العمومي، ومساءلته بالوقائع والمعطيات، مع احترام حق المعني بالأمر في التعبير والرد.

وعليه، فإن السؤال الذي تطرحه تدوينة آيت مانة لا ينبغي أن يكون: هل بقي على «نفس اللون»؟، وإنما: ماذا قدم هذا اللون السياسي للمحمدية؟ وما هي الحصيلة التي يمكن للرأي العام أن يلمسها ويقيسها؟

ذلك أن الديمقراطية لا تختبر فقط في صناديق الاقتراع، وإنما أيضا في قدرة المسؤول المنتخب على قبول المساءلة، وتقديم الحصيلة، واحترام حق المواطن في معرفة ما تحقق وما لم يتحقق.

وفي نهاية المطاف، إذا كان «العمل هو اللي كيهضر»، كما يقول آيت مانة، فإن أفضل رد على الجدل الذي أثارته التدوينة لن يكون تدوينة أخرى، ولا خطابا سياسيا جديدا، وإنما حصيلة موثقة، واضحة وقابلة للتحقق، تضع الأرقام والنتائج أمام الرأي العام المحلي، وتترك للمواطن وحده مهمة الحكم والتقييم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave