جبهة القوى الديمقراطية على صفيح ساخن.. لمفرك يحتكم إلى القضاء لحسم شرعية القيادة

لم تعد الأزمة التنظيمية التي يعيشها حزب جبهة القوى الديمقراطية مجرد خلاف عابر حول تدبير الشأن الداخلي، بعدما انتقل النقاش بشأن شرعية القيادة من دائرة التراشق السياسي إلى فضاء أكثر تعقيدا، تتقاطع فيه المقتضيات القانونية مع الأعراف التنظيمية والمرجعيات القضائية، في وقت تستعد فيه الساحة السياسية لمحطات انتخابية تجعل من مسألة التمثيلية القانونية للأحزاب قضية تتجاوز حدود النزاع الداخلي.

وفي هذا السياق، اختار مصطفى لمفرك، الأمين العام لحزب جبهة القوى الديمقراطية، خلال ندوة صحفية عقدت اليوم الأربعاء 26 غشت بالرباط ، تقديم روايته بشأن خلفيات النزاع، مستندا إلى ما اعتبره مقررات حزبية وأحكاما قضائية تؤسس، حسب قراءته، لسلامة وضعيته القانونية والتنظيمية على رأس الحزب.

ولم يكتف لمفرك بالدفاع السياسي عن موقعه التنظيمي، وإنما أحال على المسار القضائي الذي عرفته مجموعة من الملفات التي ارتبطت باسمه، خصوصا تلك المتعلقة بادعاءات انتحال الصفة واستعمال الأختام والوثائق الحزبية، مؤكدا أن القضاء حسم في هذه القضايا بما يدعم، وفق المعطيات التي قدمها، مشروعية صفته كأمين عام.

ويستند هذا الطرح، بحسب لمفرك، إلى كونه انتخب خلال مؤتمر حزبي يعتبره مستوفيا للشروط والمساطر التنظيمية، وهو ما يجعل النزاع، في جوهره، مرتبطا بتحديد المرجعية التي ينبغي اعتمادها في إثبات الصفة القانونية للحزب ومن له سلطة تمثيله أمام المؤسسات والسلطات العمومية.

غير أن الإشكال المطروح لا يقف عند حدود التأويلات السياسية أو القراءات المتباينة للنصوص التنظيمية، لأن الشرعية الحزبية، متى انتقلت من المجال الداخلي إلى المجال المؤسساتي، تصبح خاضعة لاختبار عملي تفرضه طبيعة الإجراءات القانونية والإدارية.

ومن هنا تكتسي المرحلة المقبلة أهمية خاصة، لاسيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، إذ ستشكل عملية إيداع الترشيحات إحدى أبرز المحطات التي يمكن أن تختبر بشكل عملي مسألة التمثيلية القانونية للحزب.

فالمعركة، في هذه الحالة، لن تكون حول من يعلن نفسه ممثلا للحزب، وإنما حول من تتعامل معه المؤسسات المختصة باعتباره صاحب الصفة القانونية المخولة للتوقيع والتزكية وإيداع الملفات.

وبمنطق المؤسسات، لا يمكن فصل الشرعية التنظيمية عن شرعية المساطر، كما لا يمكن اختزال الحسم في شرعية القيادة في الخطاب السياسي وحده.

فالأحكام القضائية، متى أصبحت نهائية ومرتبطة بموضوع النزاع، تشكل مرجعا أساسيا، غير أن تنزيل آثارها في المجال الحزبي يظل مرتبطا كذلك بالمساطر التنظيمية والإدارية ذات الصلة.

ويبدو أن لمفرك يدرك طبيعة هذا الاختبار، لذلك حرص خلال الندوة على وضع ملف الشرعية أمام المرجعية القضائية، في محاولة لإعادة ترتيب النقاش على قاعدة الوثيقة والحكم والمسار المؤسساتي، بدل إبقائه أسيرا للتصريحات والبيانات المتبادلة.

وفي المقابل، فإن استمرار الجدل حول القيادة يعكس، في حد ذاته، طبيعة الإشكالات التي قد تفرزها النزاعات التنظيمية داخل الأحزاب عندما تتداخل الشرعية الانتخابية الداخلية مع التمثيلية القانونية أمام الدولة والمؤسسات.

وهي إشكالية تجعل من القضاء والمساطر الإدارية والتنظيمية أطرافا غير مباشرة في تحديد مآلات الخلاف، دون أن يعني ذلك بالضرورة حسمها سياسيا.

وبين الشرعية التي يستمدها لمفرك من المؤتمر الحزبي، والشرعية التي يقول إنها تعززت بمخرجات قضائية، تظل المسافة الفاصلة بين الادعاء السياسي والاعتراف المؤسساتي هي المحك الحقيقي.

فالمسألة لا تتعلق فقط بمن يملك رواية أقوى، وإنما بمن يستطيع ترجمة صفته داخل منظومة قانونية وإدارية لا تعترف إلا بالوثائق والمساطر والاختصاصات المحددة.

وعليه، فإن الاستحقاقات المقبلة قد تحول الصراع داخل جبهة القوى الديمقراطية إلى اختبار مؤسساتي مفتوح، ستكون له انعكاسات مباشرة على عملية التزكية وإيداع الترشيحات وباقي الإجراءات المرتبطة بالتمثيل القانوني للحزب.

وبينما يتمسك مصطفى لمفرك بمشروعية موقعه على رأس جبهة القوى الديمقراطية، استنادا إلى مؤتمر حزبي وإلى ما قدمه من معطيات قضائية، فإن الكلمة الفصل في ترجمة هذه الشرعية على أرض الواقع ستظل مرتبطة بالمؤسسات المختصة وبمدى مطابقة الإجراءات المقبلة للقواعد القانونية والتنظيمية المؤطرة للعمل الحزبي.

وهكذا، يبدو أن ملف جبهة القوى الديمقراطية دخل مرحلة جديدة، لم يعد فيها السؤال فقط: من يقود الحزب؟ بل أصبح السؤال الأكثر دقة: من يملك الصفة القانونية والمؤسساتية لتمثيله؟ وهو سؤال لن تجيب عنه البيانات وحدها، وإنما ستكشفه، عمليا، لغة الوثائق ومساطر الإدارة وقرارات المؤسسات المختصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave