في المشهد السياسي المتحرك الذي يسبق الاستحقاقات التشريعية المقبلة، بدأت بعض الأسماء الجديدة في شق طريقها نحو المؤسسات المنتخبة، حاملة معها تجارب مهنية لا تنتمي بالضرورة إلى المدرسة الحزبية التقليدية.
ومن بين هذه الأسماء يبرز عادل ابن إبراهيم، ابن منطقة عين حرودة، الذي اختار أن يخوض غمار السياسة من بوابة حزب التقدم والاشتراكية، واضعاً تجربته في المقاولة والتشغيل والنقل واللوجستيك في مواجهة اختبار جديد عنوانه الثقة الانتخابية والتمثيلية السياسية.
وإذا كان الانتقال من عالم الاقتصاد إلى المجال السياسي ليس ظاهرة جديدة، فإن خصوصية هذه التجربة تكمن في محاولة بناء رأسمال سياسي انطلاقاً من رصيد مهني وميداني، بدل الاتكاء حصراً على المسار الحزبي أو التراكم التنظيمي.
فالمقاولة، في هذا السياق، لا تقدم نفسها باعتبارها بديلاً عن السياسة، وإنما باعتبارها فضاءً لتكوين معرفة عملية بالاقتصاد المحلي وبالإكراهات التي تنتجها علاقة الاستثمار بالتشغيل، والسوق بالمجتمع، والمبادرة الفردية بالسياسات العمومية.
عادل ابن إبراهيم، المزداد سنة 1988، ينتمي إلى جيل يسعى، في جزء منه، إلى إعادة تعريف علاقته بالفعل السياسي من خلال الانتقال من موقع الفاعل الاقتصادي إلى موقع الفاعل المؤسساتي. وقد مكنته تجربته في مجال التشغيل وتدبير الموارد البشرية، ثم في قطاع النقل واللوجستيك، من الاحتكاك المباشر بإشكالات ترتبط بسوق الشغل وبالاستثمار وبمناخ الأعمال، وهي ملفات لا تنفصل عن الأسئلة الكبرى التي تطرحها المحمدية باعتبارها مجالاً حضرياً واقتصادياً يحمل مؤهلات مهمة، لكنه يواجه في الوقت نفسه اختلالات اجتماعية ومجالية متراكمة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة دخوله المعترك السياسي باعتباره محاولة لتحويل الخبرة المهنية إلى رأسمال انتخابي، ثم إلى رأسمال مؤسساتي في حال حظي بثقة الناخبين.
غير أن هذا التحول يظل مشروطاً بقدرة صاحبه على مغادرة منطق التجربة الفردية نحو بناء تصور جماعي للشأن العام، لأن السياسة، في جوهرها، ليست مجرد تدبير للكفاءة، وإنما هي أيضاً إنتاج للتوافقات، وتدبير للاختلاف، وصياغة للأولويات داخل فضاء عمومي متعدد المصالح والتطلعات.
اختيار حزب التقدم والاشتراكية بدوره يكتسي دلالة سياسية، باعتبار أن التزكية الحزبية لا تمنح المرشح فقط غطاءً تنظيمياً، وإنما تضعه داخل مرجعية سياسية وبرنامجية يفترض أن يترجمها محلياً إلى خطاب انتخابي قابل للتداول والإقناع. وقد صادقت اللجنة المركزية للحزب، خلال دورتها الثامنة المنعقدة في يوليوز 2026، على تزكية ابن إبراهيم مرشحاً بدائرة المحمدية، في خطوة تندرج ضمن الاستعداد المبكر للاستحقاقات التشريعية المقبلة.
وتكشف هذه الخطوة، في بعدها السياسي، عن رهان مزدوج: فمن جهة، يسعى الحزب إلى تعزيز حضوره داخل دائرة تعرف تنافساً سياسياً متنامياً، ومن جهة ثانية، يمنح مرشحاً من خارج البنية الحزبية التقليدية فرصة تحويل رصيده المهني والمجتمعي إلى عرض سياسي.
وبين الرهانين تظل معادلة الانتخابات أكثر تعقيداً، لأن الناخب لا يصوت فقط على السيرة المهنية، ولا على الانتماء الحزبي وحده، وإنما يقارن بين الأشخاص والبرامج والقدرة على تمثيل المصالح المحلية داخل المؤسسة التشريعية.
وفي حالة المحمدية، تبدو هذه المعادلة أكثر حساسية بالنظر إلى طبيعة الملفات المطروحة أمام الفاعل السياسي المحلي.
فالتشغيل، والاستثمار، وتأهيل البنيات التحتية، وجودة الخدمات العمومية، والبيئة، والنهوض بأوضاع الشباب، كلها قضايا تتطلب مقاربة تتجاوز التدبير الظرفي إلى بناء سياسات عمومية ذات أثر ملموس.
وهنا تحديداً تبرز أهمية الخلفية المهنية لابن إبراهيم، لكنها في الوقت نفسه تشكل أحد أكبر الاختبارات أمامه. فالتجربة في عالم المقاولة قد تمنحه معرفة دقيقة بمنطق الاقتصاد وسوق الشغل، لكنها مطالبة، سياسياً، بأن تتحول إلى رؤية تتعامل مع الاقتصاد باعتباره جزءاً من منظومة اجتماعية ومجالية أوسع.
فالاستثمار، مثلاً، لا يقاس فقط بحجم رؤوس الأموال المستقطبة، وإنما أيضاً بقدرته على إنتاج فرص الشغل وتحقيق الإدماج الاقتصادي وتعزيز العدالة المجالية.
وبالمثل، فإن الحديث عن التشغيل لا يمكن أن يظل في مستوى الأرقام والشعارات، وإنما يقتضي مقاربة ترتبط بالتكوين والتأهيل المهني وتحفيز المقاولات وتبسيط المساطر وربط منظومة التعليم باحتياجات النسيج الاقتصادي.
وهي كلها قضايا تضع أي مرشح أمام امتحان القدرة على الانتقال من تشخيص الإشكال إلى اقتراح السياسات العمومية الممكنة لمعالجته.
كما أن انتماء ابن إبراهيم إلى عين حرودة يمنحه بعداً مجالياً داخل دائرة المحمدية، غير أن هذا الانتماء، مهما كانت قيمته الرمزية، لا يكفي وحده لصناعة الشرعية الانتخابية.
فالشرعية السياسية الحديثة تُبنى من خلال التعاقد مع الناخبين على أساس برنامج واضح، ومن خلال القدرة على تحويل القرب من المواطنين إلى تمثيلية فعالة ومساءلة مستمرة.
ومن هنا، فإن التجربة التي يخوضها ابن إبراهيم لا ينبغي اختزالها في انتقال شخصي من المقاولة إلى السياسة، بل يمكن النظر إليها باعتبارها جزءاً من نقاش أوسع حول طبيعة النخب السياسية الجديدة، ومدى قدرة الكفاءات القادمة من القطاعات الاقتصادية والمهنية على تجديد المجال السياسي وإعادة وصل المؤسسات بالمجتمع.
غير أن تجديد النخب لا يتحقق بمجرد تغيير الأسماء، وإنما يحتاج إلى تغيير في طريقة ممارسة السياسة نفسها؛ من منطق الوعود الانتخابية إلى منطق التعاقد العمومي، ومن الخطاب المناسباتي إلى بناء السياسات، ومن الحضور الظرفي إلى الترافع المؤسساتي المستمر.
وعليه، فإن دخول عادل ابن إبراهيم السباق التشريعي المقبل يضعه أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن تحويل تجربة مهنية في عالم المقاولة والتشغيل إلى مشروع سياسي قادر على استيعاب تعدد المصالح الاجتماعية والاقتصادية داخل دائرة المحمدية؟ وكيف يمكن تحويل القرب من المواطنين إلى شرعية انتخابية، ثم إلى فعالية مؤسساتية؟
أسئلة ستظل مفتوحة إلى حين اتضاح معالم المنافسة الانتخابية والبرامج التي ستقدمها مختلف القوى السياسية.
أما الرهان الأساسي، فيبقى في قدرة المرشح الجديد على إقناع الناخبين بأن انتقاله من عالم المقاولة إلى السياسة ليس بحثاً عن موقع انتخابي فحسب، وإنما محاولة لإعادة توظيف الخبرة المهنية في خدمة الشأن العام.
وفي نهاية المطاف، ستحدد صناديق الاقتراع حجم الرصيد السياسي الذي استطاع عادل ابن إبراهيم بناءه، كما ستحدد قدرة حزب التقدم والاشتراكية على تحويل هذا الرصيد إلى قوة انتخابية داخل دائرة المحمدية.
وبين التزكية الحزبية والشرعية الانتخابية، وبين الرصيد المهني والقدرة على التمثيل، ستخضع هذه التجربة لاختبار السياسة الحقيقي: إقناع المواطن بأن الكفاءة المهنية يمكن أن تتحول إلى مشروع عمومي، وأن الانتقال إلى البرلمان يمكن أن يكون انتقالاً من تدبير المقاولة إلى تدبير جزء من أسئلة المجتمع.
وطني 24 جريدة الكترونية مغربية شاملة
