مدخل المحمدية في مرمى الاختلالات… “القاضي التازي” يكشف فجوة التدبير المحلي على أعتاب رهانات 2030

🔸️بقلم : عزيز بالرحمة / مدير نشر – وطني24

في الوقت الذي يتهيأ فيه المغرب لولوج مرحلة مفصلية في مساره التنموي، عنوانها تثبيت موقعه ضمن مصاف القوى الحداثية الصاعدة، مدعوماً باستحقاقات دولية كبرى في أفق سنة 2030، تفرض نفسها مفارقات مجالية حادة تكشف عن اختلالات عميقة في منسوب العدالة الترابية ونجاعة التدبير المحلي.

وفي هذا السياق، تبرز مدينة المحمدية، أو “مدينة الزهور”، كحالة دالة على هذا التناقض الصارخ بين دينامية وطنية متسارعة، وطبيعة تدبير محلي ما يزال يرزح تحت ثقل الأعطاب البنيوية، حيث يتحول أحد أهم مداخلها، ممثلاً في شارع القاضي التازي، إلى مرآة تعكس تعثر الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ.

فهذا المحور الطرقي الاستراتيجي، الذي يشكل شرياناً حيوياً يربط المدينة بمحور الطريق السيار الدار البيضاء-الرباط، ويفتح امتداداً نحو إقليم بن سليمان، لم يعد يؤدي وظيفته كواجهة حضرية تعكس جاذبية المجال، بل أضحى فضاءً مشوهاً تختلط فيه مظاهر النشاط الاقتصادي غير المهيكل مع اختلالات عمرانية متراكمة، في مشهد يسيء إلى صورة مدينة يفترض أن تستثمر موقعها الجغرافي الاستثنائي وقربها من أقطاب صناعية ورياضية واعدة.

ويحتضن هذا المحور، الذي كان من المفترض أن يكون بوابة منظمة لحركية اقتصادية عصرية، أكبر سوق للجملة بالمنطقة، إلى جانب فضاء للمتلاشيات تحول، بفعل غياب الضبط والتقنين، إلى بؤرة مفتوحة على كل أشكال التوسع العشوائي.

فبدل أن يشكل هذا النسيج الاقتصادي رافعة للتنمية المحلية، أضحى مصدراً للتلوث البصري والبيئي، حيث تنتشر مظاهر البناء غير القانوني بشكل زاحف، وتتكدس النفايات، وتتحول جنبات الطريق إلى مرتع للكلاب الضالة والمشردين، في مشهد يختزل أزمة تخطيط وغياب صيانة، ويطرح تساؤلات جوهرية حول فعالية آليات المراقبة والتدخل.

وفي قراءة تحليلية للوضع، اعتبر أحد المتتبعين للشأن المحلي أن ما تعرفه منطقة شارع القاضي التازي وفضاء المصباحيات يجسد بوضوح ما يمكن تسميته بــ”مغرب بسرعتين”، سرعة وطنية تتجه بثبات نحو تكريس نموذج تنموي حديث ومنفتح، وسرعة محلية بطيئة تعجز عن مواكبة هذا التحول، خصوصاً على مستوى تأهيل المداخل الحضرية التي تظل عنواناً أولياً لأي مدينة.

وأبرز المصدر ذاته أن الصور اليومية التي توثقها الساكنة تكشف عن مستوى من التدهور لا ينسجم مع الرهانات الكبرى المطروحة، ولا مع الصورة التي يسعى المغرب إلى تسويقها دولياً.

أما على مستوى الانعكاس الاجتماعي، فلا تخفي ساكنة حي المصباحيات شعورها العميق بالخذلان، حيث يستحضر أحد القاطنين، بنبرة يغلب عليها الأسى، التحول السلبي الذي طال الفضاء، قائلاً إن الحي الذي كان يُضرب به المثل في التنظيم والنموذجية، أضحى اليوم محاصراً بالفوضى والعشوائية، في ظل غياب واضح لأبسط شروط الصيانة والتأهيل، مضيفاً أن الإحساس السائد هو أن هذه المناطق باتت خارج أولويات الأجندة التنموية، رغم الخطاب الرسمي الذي يؤكد عكس ذلك.

إن هذا الوضع، بما يحمله من دلالات، لا يمكن فصله عن إشكالية أعمق تتعلق بمدى تفعيل الاختصاصات التي يخولها القانون التنظيمي 113.14 للجماعات الترابية، لاسيما في ما يرتبط بمجال الشرطة الإدارية والتعمير، كما تنص على ذلك المادة 100 وما يليها. فالإطار القانوني، كما هو معلوم، يوفر أدوات واضحة للتدخل، سواء من خلال القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير، أو القانون 66.12 الخاص بزجر المخالفات، غير أن الإشكال يظل قائماً في مستوى التنزيل الصارم والفعلي لهذه المقتضيات، بعيداً عن أي اعتبارات ظرفية أو حسابات ضيقة.

ومن ثم، فإن إنقاذ مداخل مدينة المحمدية، في أفق الاستحقاقات المقبلة، لا يمر فقط عبر مقاربات ترقيعية ظرفية، بل يستدعي رؤية شمولية تعيد الاعتبار لوظيفة هذه الفضاءات باعتبارها واجهات حضرية تعكس هوية المدينة وموقعها ضمن النسيج الوطني.

وهو ما يقتضي، بالضرورة، إعادة هيكلة أسواق الجملة وفضاءات المتلاشيات وفق معايير حديثة، قوامها الرقمنة والشفافية، بما يتيح ضبط الأسعار، وتتبع مسارات السلع، وضمان اندماج هذه الأنشطة ضمن الدورة الاقتصادية المنظمة.

إن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على تحسين المشهد العمراني فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى ترسيخ نموذج تدبيري جديد، قادر على مواكبة التحولات الوطنية الكبرى، وضمان انسجامها على المستوى المحلي، حتى لا تظل بعض المداخل الحضرية نقاطاً سوداء في خريطة تنموية تسعى، في جوهرها، إلى القطع مع منطق الانتظارية والارتجال، وتكريس ثقافة النجاعة والمساءلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave