المحمدية في غرفة العمليات… هل تنجح معادلة العامل والكاتب العام في استنساخ طفرة الصويرة وفك حصار “البلوكاج”؟

بقلم : عزيز بالرحمة / مدير النشر – وطني24

تقف عمالة المحمدية، في الظرفية الراهنة، عند منعطف تاريخي بالغ الدقة، حيث تتقاطع رهانات التأهيل الترابي مع إكراهات متراكمة أفرزت وضعاً تنموياً غير متوازن، يضع المدينة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التحول إلى قطب جهوي مندمج.

فمنذ تعيين عادل المالكي عاملاً على إقليم المحمدية، برز توجه واضح نحو إرساء مقاربة تدبيرية ميدانية، تتجاوز منطق التدبير الروتيني إلى تبني نموذج تدخل استباقي، استُلهمت مرتكزاته من تجربة إقليم الصويرة، التي شكلت، خلال السنوات الأخيرة، مختبراً ناجحاً في تسريع تنزيل المشاريع الملكية، محققة نسبة إنجاز قياسية بلغت 97 في المائة، في سابقة تعكس نجاعة التنسيق بين السلطة الترابية وباقي المتدخلين.

هذا التحول في الفلسفة التدبيرية لا يشتغل في فراغ، بل يجد امتداده داخل البنية الإدارية للعمالة، من خلال الدور المحوري الذي يضطلع به الكاتب العام، باعتباره حلقة الوصل التقنية والتنفيذية داخل الجهاز الإداري، حيث يُنظر إليه كـ”دينامو” محرك قادر على تفكيك أعطاب المساطر الإدارية المعقدة، وتسريع وتيرة الإنجاز، عبر عقلنة التدخلات وضبط سلاسل القرار.

وهو الدور الذي يستحضر، في بعده العملي، تجربة عبد الصادق العالم السباعي بجهة مراكش، الذي راكم خبرة تفوق ثلاثة عقود، وأسهم في تحصين المشاريع الكبرى من الوقوع في فخ البيروقراطية، عبر اعتماد مقاربة مبنية على النجاعة والصرامة في التتبع.

وفي سياق موازٍ، تعرف المحمدية دينامية غير مسبوقة على مستوى الأوراش البنيوية، حيث تحولت إلى ما يشبه “خلية نحل” مفتوحة، تعكس حجم الاستثمارات المرصودة لتأهيل بنيتها التحتية. فقد تم الانتهاء من أشغال توسعة الطريق السيار الرابط بين عين حرودة وبدال المحمدية الغربي، بكلفة مالية تناهز 750 مليون درهم، وهو مشروع استراتيجي يهدف إلى تخفيف الضغط المروري وتعزيز انسيابية التنقل على هذا المحور الحيوي. وبالتوازي مع ذلك، تتقدم أشغال الطريق السيار القاري الذي سيمر عبر محيط بني يخلف والشلالات، في إطار رؤية ترابية أوسع تروم تعزيز الربط مع إقليم بنسليمان، خاصة في أفق احتضان المملكة لتظاهرات رياضية عالمية، وعلى رأسها كأس العالم 2030، حيث يُرتقب أن يشكل هذا المحور الطرقي رافعة أساسية لربط المحمدية بالمركب الرياضي الكبير المزمع إنجازه ببنسليمان.

وفي نفس السياق، يبرز مشروع القطار الجهوي السريع (RER) كأحد أعمدة التحول المرتقب في منظومة التنقل، حيث رُصد له غلاف مالي يناهز 11 مليار درهم، في إطار تصور يروم إرساء شبكة نقل حضري متكاملة وفعالة. ويُرتقب أن يربط هذا الخط بين المحمدية والنواصر عبر 18 محطة، بوتيرة زمنية عالية تصل إلى قطار كل 7.5 دقائق، ما من شأنه تقليص مدة التنقل نحو الدار البيضاء إلى حوالي 20 دقيقة، وهو تحول نوعي من شأنه إعادة تشكيل الخريطة الحضرية والاقتصادية للمنطقة.

ويواكب هذا المشروع إدماج جيل جديد من حافلات النقل الحضري “كازا باص”، إلى جانب اعتماد نظام التذكرة الموحدة، الذي سيمكن المواطنين من استعمال الحافلة والقطار والترامواي عبر بطاقة واحدة، في أفق تحقيق تكامل فعلي بين مختلف وسائل النقل، وربط أحياء بني يخلف والشلالات والمؤسسات الجامعية بنقط التبادل الكبرى.

وعلى المستوى السياحي، تراهن المحمدية على تعزيز قدرتها الإيوائية، التي تبلغ حالياً حوالي 1500 سرير في الفنادق المصنفة، إضافة إلى نحو 2000 سرير في الوحدات غير المصنفة، فضلاً عن مراكز الاصطياف الخاصة والعامة.

غير أن تثمين هذا الرصيد يظل رهيناً بجرأة سياسية وإدارية في اتخاذ قرارات استراتيجية، وعلى رأسها تحرير الملك البحري، بما يسمح بإعادة تأهيل الواجهة الساحلية، ورد الاعتبار لدورها الحيوي في تنشيط الاقتصاد المحلي وجذب الاستثمارات السياحية.

غير أن هذه الدينامية التنموية، على أهميتها، تصطدم بواقع مجالي متباين يعكس عمق الاختلالات الترابية داخل الإقليم.

ففي مقابل المشاريع الكبرى التي تعرفها المدينة، تظل جماعات سيدي موسى بن علي وسيدي موسى المجدوب تعاني من عزلة تنموية خانقة، رغم ما تختزنه من مؤهلات استراتيجية.

ففي سيدي موسى بن علي، يشكل تعثر مشاريع القناطر والربط الطرقي مع الدار البيضاء عائقاً بنيوياً يحول دون استقطاب استثمارات لوجستية وصناعية كبرى، تمتد على مساحة 660 هكتاراً، ضمن مخطط إقليمي طموح تصل مساحته الإجمالية إلى 1100 هكتار. أما سيدي موسى المجدوب، فتواجه خصاصاً حاداً في البنيات التحتية الأساسية، ما يجعلها تعيش على هامش الدينامية التنموية، ويدفع ساكنتها إلى الهجرة نحو مركز المحمدية، بما يفاقم الضغط على المرافق والخدمات الحضرية.

ويمتد هذا التفاوت المجالي ليشمل منطقة عين حرودة، حيث يبرز تناقض صارخ بين مشروع مدينة زناتة البيئية، الذي يُنجز وفق معايير دولية متقدمة، وبين المركز القديم الذي يعاني من اختناق مروري حاد وبنية طرقية مهترئة، في صورة تعكس ازدواجية النموذج التنموي داخل المجال نفسه. كما يتجلى هذا الاختلال في وضعية الواجهة البحرية للمحمدية، التي ما تزال رهينة التعثر، إلى جانب القصبة التاريخية التي تعاني من التآكل والإهمال، رغم ما تمثله من قيمة رمزية في الذاكرة الجماعية للمدينة.

وفي هذا الإطار، يطرح بقوة رهان إعادة الاعتبار للذاكرة الحضرية، عبر استلهام تجربة الصويرة في تثمين الموروث الثقافي والمعماري، حيث تم تحويل مدينة موكادور إلى قطب سياحي عالمي من خلال تأهيل المدينة العتيقة وصون تراثها.

وهو ما يفرض اليوم ضرورة انتشال قصبة المحمدية من وضعيتها الحالية، وتحويلها إلى فضاء سياحي وثقافي نابض بالحياة، إلى جانب تثمين الرصيد المعماري للمدينة، خاصة بنايات “الآرت ديكو” ذات البعد العالمي، والبارك التاريخي، ونادي الغولف الملكي العريق، فضلاً عن ملف “لاسامير” الذي يظل أحد أبرز الملفات العالقة، لما له من تأثير مباشر على الاقتصاد المحلي وفرص التشغيل.

إن المحمدية، في ظل هذه المعطيات، لم تعد في حاجة إلى مزيد من التشخيص، بقدر ما تحتاج إلى إرادة حازمة قادرة على تفكيك البلوكاج البنيوي الذي يعطل ديناميتها، وهي مسؤولية تقع على عاتق ثلاثي الإدارة الترابية: العامل، الكاتب العام، ورئيس الشؤون الداخلية، باعتبارهم النواة الصلبة القادرة على قيادة مرحلة الانتقال من التدبير إلى الإنجاز.

ويتجاوز هذا الرهان الإطار المحلي، ليصبح جزءاً لا يتجزأ من تنزيل النموذج التنموي الجديد، الذي دعا إليه الملك محمد السادس، حيث يُرتقب أن تتحول المحمدية، بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي، إلى منصة لوجستية قارية، تربط بين القطب المالي للدار البيضاء ومشاريع البنية التحتية الكبرى بإقليم بنسليمان، بما يعزز جاذبيتها للاستثمارات الوطنية والدولية.

وفي أفق الاستحقاقات الدولية المقبلة، تبدو المحمدية أمام سباق مع الزمن، حيث لم يعد مقبولاً استمرار تعثر المشاريع أو تأجيل القرارات الحاسمة.

فالرهان اليوم هو تحقيق إقلاع تنموي حقيقي ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطن، سواء في جودة الطرق، أو فعالية النقل، أو تحسين محيط العيش.

إنها لحظة الحقيقة، التي تضع الإدارة الترابية أمام مسؤوليتها التاريخية لإثبات أن التغيير لم يعد مجرد خطاب، بل واقع ملموس يعيد للمحمدية مكانتها الطبيعية كقاطرة للتنمية داخل الجهة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave