بقلم: عزيز بالرحمة (مدير النشر “وطني24”)
يدخل ملف هيكلة “تجار الرصيف” مرحلة دقيقة وحاسمة على الصعيد الوطني، في ظل توجه واضح نحو إعادة ترتيب المشهد التجاري غير المهيكل، بما يتماشى مع رهانات الدولة في أفق 2030، غير أن ما يجري ميدانياً داخل عدد من الجماعات الترابية، وعلى رأسها بوزنيقة، يكشف أن الطريق نحو هذا التحول لا يزال محفوفاً بالارتباك والتردد وغياب الانسجام المؤسساتي.
فمع اقتراب الدورات العادية والاستثنائية للجماعات، برز هذا الملف كـ”قنبلة تنظيمية” موقوتة، وضعتها المجالس المنتخبة على طاولة النقاش، في محاولة لإعادة بسط النظام داخل الملك العمومي، لكن أيضاً لتقديم أجوبة عملية على إشكال إدماج آلاف الباعة الجائلين في منظومة اقتصادية مهيكلة، قوامها أسواق عصرية تستجيب لمتطلبات الرقمنة والاستقرار القانوني.
غير أن هذه الدينامية، التي تبدو في ظاهرها إصلاحية، تصطدم على مستوى التنفيذ بتراكم سنوات من التردد والتدبير الترقيعي.
وفي قلب هذا المشهد، عادت أسواق القرب بمدينة بوزنيقة لتفرض نفسها كملف ثقيل ومؤجل، ظل عالقاً بين تعقيدات قانونية ومسطرية أفرزت وضعاً شاذاً، جعل هذه الفضاءات التجارية رهينة “الانتظار المفتوح”، في وقت كان يفترض أن تشكل فيه بديلاً حقيقياً لتجار الرصيف.
ولم يكن قرار المجلس الجماعي لبوزنيقة، خلال دورته الاستثنائية المنعقدة يوم الثلاثاء 24 مارس الجاري، بالمصادقة على دفتر التحملات الجديد، سوى محاولة متأخرة لتحريك مياه راكدة، أكثر من كونه حلاً حاسماً لملف طال أمده.
ورغم أهمية هذه المصادقة، فإنها لا تزال خطوة ناقصة، تظل معلقة في انتظار التأشيرة النهائية للسلطة الإقليمية، وهو ما يعكس استمرار منطق “نصف الحلول”، ويكرس حالة من الضبابية التي تزيد من احتقان التجار، الذين وجدوا أنفسهم لسنوات خارج أي إطار قانوني واضح، بين وعود بالإدماج وممارسات واقعية تُبقيهم على هامش التنظيم.
وما يزيد من حدة هذا الوضع، أن تجربة جماعة الشراط المجاورة أبانت، بشكل عملي، أن تجاوز العشوائية ممكن متى توفرت الإرادة والتنسيق.
فقد نجحت الشراط في إرساء سوق عصري بمواصفات حديثة، شكل اليوم نموذجاً يُحتذى به على صعيد الإقليم، وقدم حلاً فعلياً لإشكالية الباعة الجائلين.
هذا النجاح لا يضع فقط بوزنيقة في موقع المقارنة، بل يحرج أيضاً جماعة المنصورية، ويطرح بإلحاح سؤال غياب التنسيق بين هذه الوحدات الترابية، خاصة في ما يتعلق بإدماج تجار الرصيف ورواد السوق العشوائي “الأربعاء مكزاز”.
هذا السوق، الذي تحول مع مرور الوقت إلى نقطة سوداء في الخريطة التجارية المحلية، لم يعد مجرد فضاء غير مهيكل، بل أصبح عنواناً للفوضى ومرآة لاختلالات التدبير، في ظل احتلال غير منظم للملك العمومي وغياب شروط السلامة والتنظيم.
واستمرار هذا الوضع لم يعد مقبولاً، خاصة في سياق إقليمي يتجه نحو احتضان تظاهرات دولية كبرى، تفرض واجهة حضرية وتجارية بمواصفات تليق بصورة المغرب ورهاناته الاقتصادية والسياحية.
في خضم هذا الجدل، يبرز صوت المهنيين كعنصر توازن أساسي، إذ يؤكد لعويسي عبد الرحيم، المسؤول النقابي بالاتحاد الديمقراطي المغربي للشغل، أن أي عملية هيكلة لا يمكن أن تنجح بمنطق القرارات الفوقية، بل تستدعي مقاربة واقعية تراعي القدرة الشرائية للتجار، من خلال اعتماد سومة كرائية منصفة تضمن الاستقرار وتفادي إعادة إنتاج الهشاشة داخل فضاءات “مهيكلة شكلياً”.
كما شدد على ضرورة احترام مبدأ العدالة المجالية، عبر اختيار مواقع استراتيجية لهذه الأسواق، تضمن لها الجاذبية والحركية التجارية، بدل عزلها في الهوامش وتحويلها إلى مشاريع فاشلة مسبقاً.
ولم يغفل الفاعل النقابي الإشارة إلى التحدي المرتبط بالتحول الرقمي، الذي ترفعه الدولة كشعار مركزي ضمن رؤية 2030، معتبراً أن إدماج التجار في هذا الورش يقتضي مواكبة تقنية ميدانية حقيقية، تُمكنهم من التأقلم مع أدوات الأداء الإلكتروني وتدبير المخزون رقمياً، دون إقصاء الفئات التي لا تزال بعيدة عن هذا التحول.
غير أن هذا الطموح، الذي تتبناه وزارة الصناعة والتجارة من خلال السعي إلى تحويل أسواق القرب إلى “نقط ذكية”، يصطدم بإشكال قانوني عميق، يتمثل في الغموض الذي يلف طبيعة العلاقة التعاقدية بين التاجر والجماعة. فالمصادقة على دفاتر التحملات تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل نحن أمام “احتلال مؤقت” قابل للإلغاء في أي لحظة، أم أمام كراء تجاري يضمن للتاجر حقوقاً قانونية، وعلى رأسها الحق في الأصل التجاري؟
هذا الغموض لا يُعد تفصيلاً تقنياً، بل يشكل عائقاً بنيوياً أمام أي محاولة لتطوير النشاط التجاري داخل هذه الأسواق، إذ يمنع التجار من الاستثمار بثقة، ويغلق أمامهم أبواب التمويل البنكي، في غياب سند قانوني مستقر يمكن البناء عليه.
في المحصلة، ما تعيشه بوزنيقة اليوم يتجاوز بكثير مجرد عملية إعادة انتشار لتجار الرصيف، ليعكس مخاضاً حقيقياً لإعادة صياغة عقد اقتصادي واجتماعي جديد، قوامه التوازن بين سلطة الجماعات في التنظيم، ودور الدولة في توفير البنية الرقمية والقانونية، وانخراط التجار في دينامية التحديث.
غير أن غياب هذا التكامل، واستمرار منطق التدبير المجزأ، يهدد بتحويل هذا الورش إلى مجرد واجهة إصلاحية فارغة، تبقي على جوهر الإشكال قائماً: رصيف مكتظ، أسواق شبه فارغة، ورقمنة معلقة في شعارات، في انتظار قرار حاسم ينقل هذا الملف من منطق التردد إلى منطق الحسم.
وطني 24 جريدة الكترونية مغربية شاملة
