المحمدية / عـزيـز بـالـرحـمـة
شهدت يومه الإثنين 08 شتنبر 2025 قاعة الجلسات بالمحكمة الابتدائية بالمحمدية صدور حكم قضائي لافت يعكس بجلاء التحول الذي يعيشه النظام الجنائي المغربي في ظل تنزيل القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة.
فقد توبع متدرب بإحدى مؤسسات التكوين المهني بتهمة الضرب والجرح، ورغم تقديم الضحية تنازلا رسميا عن متابعته، اختارت هيئة الحكم المضي في مسار الدعوى العمومية، حفاظا على قوة القانون وصوناً لحق المجتمع في محاسبة الأفعال المخالفة للنظام العام.
وأصدرت المحكمة حكما يقضي بثلاثة أشهر حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 500 درهم، قبل أن تعمد إلى استبدال العقوبة السجنية بعقوبة مالية بديلة، تمثلت في أداء 100 درهم عن كل يوم من العقوبة الأصلية.
هذا التوجه لم يكن قرارا عاديا، بل خطوة عملية لترجمة روح القانون الجديد الذي دخل حيز التنفيذ مؤخرا، وجعل من بدائل العقوبات السالبة للحرية أداة أساسية لتجديد السياسة الجنائية.
إن القانون رقم 43.22 يشكل محطة مفصلية في تاريخ التشريع الجنائي المغربي، حيث سعى المشرع من خلاله إلى الاستجابة لعدد من التحديات البنيوية التي تواجه العدالة، وعلى رأسها الاكتظاظ المزمن في المؤسسات السجنية، ومحدودية أثر العقوبات التقليدية في إعادة إدماج الأفراد.
ولعل اعتماد المحكمة الابتدائية بالمحمدية لهذا الخيار البديل يعكس وعيا قضائيا عميقا بضرورة الموازنة بين الردع وتحقيق العدالة الإصلاحية.
ولا يمكن قراءة هذا الحكم بمعزل عن الجهود الكبيرة التي تبذلها رئاسة المحكمة الابتدائية بالمحمدية، باعتبارها الجهاز الضامن لحسن سير العمل القضائي، إذ تواكب مختلف الشعب في تنزيل المستجدات التشريعية بروح من النزاهة والشفافية.
فالرئاسة، بتنسيقها المتواصل مع النيابة العامة، تضطلع بدور محوري في توحيد الرؤى وتوجيه العمل القضائي نحو إحقاق الحق وضمان عدالة متوازنة، وهو ما يعكسه الحضور القوي لقضاة مشرفين على الملفات الذين يبذلون جهودا جبارة لتكييف الوقائع مع النصوص القانونية الجديدة.
كما أن النيابة العامة، في هذه القضية كما في غيرها، كانت عنصرا أساسيا في الدفع نحو هذا التوجه، من خلال ممارستها لاختصاصاتها في تحريك الدعوى العمومية والسهر على تطبيق القانون بروح متجددة.
ويعد التنسيق بين النيابة العامة ورئاسة المحكمة نموذجا للتكامل المؤسساتي الذي يتيح معالجة الملفات بمقاربة شمولية، تراعي متطلبات العدالة من جهة، وخصوصية القضايا الفردية من جهة أخرى.
وعلى المستوى الوطني، لا يعد هذا الحكم حالة منفردة، بل يندرج ضمن دينامية متصاعدة تعرفها مختلف المحاكم المغربية.
فقد شهدت محاكم في مدن أخرى مثل الرباط، الدار البيضاء، وفاس، أحكاما مماثلة اعتمدت العقوبات البديلة، سواء في شكل غرامات مالية يومية أو أشغال ذات نفع عام.
وهو ما يؤكد أن القانون الجديد لم يبق حبرا على ورق، بل أصبح يتجسد تدريجيا في الممارسة القضائية اليومية، ما يعكس إرادة جماعية لدى القضاة في تحويل الفلسفة الإصلاحية إلى واقع ملموس.
وبتحليل أعمق، فإن اعتماد هذه المقاربة يمثل نقلة نوعية في الفكر الجنائي المغربي.
فالعقوبات البديلة لا تقتصر على الجانب المالي فقط، بل تشمل أيضا التدابير ذات الطابع الإصلاحي، مثل إلزام المحكوم عليه بالقيام بأعمال ذات نفع عام، أو تقييد بعض الحقوق لفترة محددة.
هذه البدائل تمنح القاضي هامشا أوسع لاختيار العقوبة الأكثر ملاءمة لظروف كل قضية، بما يحقق العدالة المنشودة دون الاقتصار على منطق الزجر السالب للحرية.
كما أن هذا التوجه ينسجم مع الالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان، خاصة تلك المتعلقة بالحق في المحاكمة العادلة والمعاملة الإنسانية للمحكومين.
فالعقوبات البديلة، في فلسفتها، لا تسعى إلى إلغاء العقوبة بل إلى إعادة تعريفها بشكل يوازن بين مصلحة المجتمع وحماية كرامة الفرد، ويمنح المحكومين فرصة حقيقية لإعادة الإدماج في محيطهم الاجتماعي والمهني.
إن الحكم الصادر بالمحمدية يكتسي أهمية خاصة لأنه يجسد من جهة التطبيق العملي للقانون الجديد، ومن جهة أخرى يعكس الدور المركزي الذي تلعبه المؤسسات القضائية، من رئاسة المحكمة إلى النيابة العامة، في إنجاح هذا الورش الإصلاحي الكبير.
فالمجهودات التي يبذلها القضاة المشرفون على الملفات، والتنسيق الوثيق بين مختلف مكونات الجهاز القضائي، تضع لبنات قوية لتكريس عدالة أكثر فعالية وإنصافا، قائمة على النزاهة وإحقاق الحق.
وبذلك، يمكن القول إن هذا القرار يمثل خطوة إضافية في مسار طويل لبناء سياسة جنائية حديثة، تضع المغرب في مصاف الدول التي راهنت على العدالة الإصلاحية كخيار استراتيجي.
وهو مسار لن يكتمل إلا باستمرار التفعيل العملي لمقتضيات القانون 43.22 عبر مختلف المحاكم، بما يعزز ثقة المواطنين في القضاء كسلطة ضامنة للحقوق وحامية للنظام العام، وفي الآن ذاته حريصة على إرساء توازن بين العقاب والإصلاح.
وطني 24 جريدة الكترونية مغربية شاملة
