فوضى مواقف السيارات بالدار البيضاء تضع مجلس المدينة أمام مطالب بتنظيم الملك العمومي

الدارالبيضاء _ عـزيـز بـالـرحـمـة 

في مدينة الدار البيضاء، حيث تتقاطع الحداثة مع الفوضى التنظيمية، تتفاقم ظاهرة استغلال الملك العمومي وتحويل الشوارع إلى مواقف سيارات مأجورة، في مشهد بات يؤرق سكان العاصمة الاقتصادية ويفضح هشاشة التدبير المحلي لفضاءات يُفترض أن تكون مشاعة ومجانية.

هذه الظاهرة، التي تحوّلت مع مرور الوقت إلى ما يشبه النشاط التجاري غير المقنن، تسائل بحدة دور السلطات والجماعات المحلية في ضبط المجال العام وصون كرامة المواطن من الابتزاز اليومي الذي يُمارس في وضح النهار.

ما يثير الاستياء ليس فقط احتلال الأرصفة والطرقات من طرف من يُطلق عليهم تجاوزًا اسم “حراس السيارات”، بل الطريقة التي يتم بها فرض إتاوات دون أي سند قانوني، وفي ظل غياب تام لأي تأطير مؤسساتي أو خدمات مرافقة تبرر هذا المقابل المالي المفروض بالقوة، أحيانًا تحت التهديد اللفظي أو الإهانة، وأحيانًا بالإيحاء أن “من لا يدفع، لا أمان له على سيارته”.

هذه الممارسات لا تنحصر في بعض الأحياء العشوائية أو الأطراف الهامشية، بل تنتشر حتى في الشوارع الرئيسية للعاصمة الاقتصادية، في ما يبدو أنه تطبيع رسمي مع وضع شاذّ، يفتح المجال أمام تساؤلات جوهرية حول مدى احترام القانون وفعالية تدخلات السلطات.

القانون رقم 57.19 المنظم لاحتلال الملك العمومي، وخاصة في مادتيه الثالثة والرابعة، يحدد بوضوح ضوابط استغلال الفضاء العام، ويمنع صراحة كراء الشوارع والأرصفة وتحويلها إلى فضاءات ربحية بشكل فردي أو عشوائي.

ورغم ذلك، فإن هذا القانون يبدو معطلاً أو غير مُفعل على أرض الواقع، ما يغذي الشعور العام بانعدام العدالة وغياب الإنصاف، ويدفع المواطنين إلى التساؤل: ما فائدة النصوص القانونية إذا لم تُطبق؟ ولماذا تُترك الشوارع رهينة لممارسات تنتهك حق المواطن في التنقل والوقوف دون وصاية أو استغلال؟

الأصوات الغاضبة التي ارتفعت مؤخرًا لا ترفض فكرة تنظيم مواقف السيارات، بل تُلح على ضرورة الانتقال من العشوائية إلى التقنين، ومن الفوضى إلى البناء المؤسساتي.

فالحل لا يكمن في غض الطرف عن هذه الممارسات بحجة “محاربة البطالة”، وإنما في خلق بدائل حقيقية تضمن من جهة كرامة المواطن، ومن جهة أخرى تفتح فرص عمل في إطار قانوني منظم.

مرائب سيارات قانونية، مؤمنة، مزودة بكاميرات مراقبة وبوابات إلكترونية، يدفع فيها المواطن مقابلاً عادلاً لخدمة حقيقية، وليس “جزية” مفروضة بالإكراه.

هذا النموذج العصري لا يعزز فقط الأمن والسلامة، بل يسهم في خلق مناصب شغل دائمة ويُدر مداخيل قانونية على الجماعات المحلية.

الدار البيضاء، بما تمثله من رمزية حضرية واقتصادية، لا تستحق أن تُترك رهينة لمظاهر الارتجال واللامسؤولية.

المطلوب اليوم ليس فقط تفعيل القانون، بل إعادة النظر في السياسة الحضرية برمتها، وتأسيس رؤية جديدة لتدبير الملك العمومي، تجعل من الشارع فضاءً مشتركًا لا يُباع ولا يُشترى، بل يُدار بحكمة، ويُستثمر فيه بما يخدم الجميع.

فهل تتحرّك الجهات الوصية لكبح هذا النزيف اليومي؟ أم أن المواطن سيظل، كما هو الحال دائمًا، الحلقة الأضعف في معادلة تفتقر للإنصاف والجرأة في اتخاذ القرار؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate Bitwave