المحمدية : وطني24
في سياق التحولات العميقة التي تشهدها السياسة الأمنية بالمغرب، والرامية إلى تحقيق التوازن الدقيق بين صرامة تطبيق القانون وضمان احترام الحقوق والحريات، يبرز المركز الترابي للدرك الملكي بالشلالات، التابع لنفوذ عمالة المحمدية، كنموذج ميداني يعكس نجاعة المقاربة الأمنية متعددة الأبعاد، التي باتت تعتمدها القيادة الجهوية للدرك الملكي بالدار البيضاء.
فقد تمكن هذا المركز، خلال فترة وجيزة، من تحقيق ما يمكن وصفه بـ”الرقم القياسي” على مستوى توقيف المبحوث عنهم وذوي السوابق القضائية، المتورطين في قضايا جنحية وجنائية متنوعة، على رأسها الاتجار في المخدرات وجرائم السرقة، وهي جرائم ظلت لسنوات تؤرق الساكنة المحلية وتفرض تحديات أمنية معقدة بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية والديمغرافية للمنطقة.
وتندرج هذه الحصيلة ضمن استراتيجية أمنية محكمة، تشرف عليها القيادة الجهوية للدرك الملكي بالدار البيضاء، تحت التتبع المباشر للكولونيل ماجور عبد الكريم زريوح، الذي يحرص، وفق معطيات متطابقة، على مواكبة دقيقة لمختلف العمليات والتدخلات التي تباشرها المراكز الترابية والقضائية، من خلال تتبع يومي لمجريات العمل، بما يضمن التنزيل السليم لسيادة القانون، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
غير أن المقاربة المعتمدة لا تختزل في بعدها الزجري، بل تتجاوز ذلك إلى تكريس بعد حقوقي مؤطر، حيث يسهر القائد الجهوي، بتنسيق مباشر مع قائد سرية الدرك الملكي بالمحمدية، على ضمان احترام حقوق الإنسان داخل مختلف المرافق، وعلى رأسها مراكز الاستقبال والاحتفاظ، مع العمل على ترسيخ ثقافة جديدة لدى العناصر الدركية قائمة على تحسين جودة التواصل مع المواطنين، وتعزيز الثقة في المؤسسة الأمنية.
ويأتي هذا التوجه انسجاماً مع المستجدات التي أتى بها قانون المسطرة الجنائية، في صيغته المعدلة، وكذا التعليمات الصادرة عن رئاسة النيابة العامة، سواء على مستوى المحاكم الابتدائية أو الاستئنافية، والتي تؤكد في جوهرها على ضرورة تحقيق التوازن بين فعالية البحث الجنائي وضمانات المحاكمة العادلة، واحترام الكرامة الإنسانية.
وفي إطار مقاربة الرأي والرأي الآخر، استطلعت جريدة “وطني 24” الإلكترونية آراء عدد من ساكنة الشلالات، حيث عبرت فعاليات محلية ومواطنون عن ارتياح نسبي للنتائج المحققة، مؤكدين أن الحملات التطهيرية التي تباشرها مصالح الضابطة القضائية للدرك الملكي أضحت أكثر انتظاماً وفعالية، رغم الإكراهات المرتبطة بشساعة النفوذ الترابي، والكثافة السكانية المرتفعة، إضافة إلى الطبيعة التضاريسية الوعرة التي تميز المنطقة.
وأكدت هذه الشهادات أن المجهودات المبذولة “جبارة وملموسة”، وتعكس حضوراً ميدانياً دائماً لعناصر الدرك، ما ساهم في الحد من بعض الظواهر الإجرامية التي كانت تعرفها بعض النقط السوداء.
وفي السياق ذاته، كشف مصدر مطلع أن المركز الترابي للدرك الملكي بالشلالات، ورغم محدودية الموارد البشرية والإكراهات اللوجستيكية، نجح في تفكيك ومعالجة عدد من القضايا الشائكة والمعقدة، التي تتطلب خبرة ميدانية واحترافية عالية في جمع الأدلة وتدبير مساطر البحث التمهيدي.
وأضاف المصدر ذاته أن الفترة الأخيرة تميزت بتنفيذ حملات أمنية مكثفة أسفرت عن “اعتقالات بالجملة”، إلى جانب تسجيل حصيلة مهمة في مجال المخالفات المرورية وضبط السير والجولان، وهو ما يعكس شمولية المقاربة الأمنية التي لا تقتصر على الجرائم الكبرى، بل تمتد لتشمل النظام العام بمختلف تجلياته.
أما على مستوى تدبير الملفات القضائية، فتواصل عناصر الضابطة القضائية بالمركز إحالة قضايا نوعية على أنظار النيابة العامة، في احترام تام للتعليمات الصادرة عن وكيلة جلالة الملك لدى المحكمة الابتدائية بالمحمدية، رابحة فتح النور، التي تؤكد، من خلال توجيهاتها، على التطبيق الصارم لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية، بما يعزز ضمانات المحاكمة العادلة، ويكفل حماية حقوق الأفراد، وصيانة النظام العام، وضمان سلامة الأشخاص وممتلكاتهم.
ويعكس هذا التناغم بين الضابطة القضائية والنيابة العامة نضجاً مؤسساتياً في تدبير العدالة الجنائية، حيث لم يعد الهدف مقتصراً على تحقيق الردع، بل أضحى يشمل كذلك ترسيخ ثقة المواطن في العدالة، باعتبارها ركيزة أساسية لبناء دولة الحق والقانون.
وإذا كانت النتائج المحققة تعكس، في ظاهرها، نجاحاً عملياتياً، فإن دلالاتها العميقة تتجاوز ذلك لتؤشر على تحول نوعي في فلسفة التدخل الأمني، قوامه الجمع بين الصرامة القانونية والبعد الحقوقي، في انسجام مع المعايير الدولية المؤطرة لعمل أجهزة إنفاذ القانون.
وفي المحصلة، يكون المركز الترابي للدرك الملكي بالشلالات قد تمكن، في ظرف وجيز، من فرض حضوره كفاعل أمني محوري داخل المجال الترابي، مساهماً في تعزيز الإحساس بالأمن لدى الساكنة، رغم الإكراهات الموضوعية المرتبطة باتساع المجال وتعدد بؤر التوتر.
وفي سياق متصل، تبذل عناصر الدرك الملكي بالشلالات مجهودات جبارة في تنظيم حركة السير وتسريح الطريق، بهدف تسهيل انسيابية الجولان، خاصة خلال فترات الذروة التي تعرف توافداً مكثفاً للمواطنين على الفضاءات الطبيعية بالمنطقة، وعلى رأسها غابة “كسكاد” ومنتزه الشلال، اللذان يشهدان إقبالاً كبيراً بالنظر إلى ما يزخر به المجال القروي لجماعة الشلالات وضواحيها من مؤهلات طبيعية خلابة، الأمر الذي يتسبب أحياناً في اختناقات مرورية تستدعي تدخلاً ميدانياً مستمراً لتنظيم السير وضمان سلامة المرتفقين.
ويبقى التحدي المطروح، وفق قراءة تحليلية، هو ضمان استدامة هذه الدينامية وتعزيزها، عبر دعم الموارد البشرية واللوجستيكية، وترسيخ ثقافة مهنية قوامها أن الواجب الوطني والالتزام القانوني يظلان فوق كل اعتبار، في سبيل حماية الأمن العام وخدمة الصالح العام.
وطني 24 جريدة الكترونية مغربية شاملة
