الاشكالات الحقيقية في قضايا نزع الملكية والاعتداء المادي

بقلم / ذ.عبد العالي المصباحي المحامي العام بمحكمة النقض

يبقى تطور كل دولة رهين بتأسيس بنيتها التحتية وتطورها العمراني وقوتها الاقتصادية والمؤسساتية، وهذا بطبيعة الحال، يجعلها دائمة البحث عن العقارات والأراضي ذات المواقع المتميزة والرئيسية، لبناء مرافقها العمومية وإداراتها وشق الطرقات وبناء القناطر وحفر الأنفاق لتسهيل عملية السير والمرور. وللحصول على هذه العقارات تجد نفسها مضطرة لأخذها من أصحابها عبر سلوك مساطر قانونية وضعها المشرع خصيصا لهذا الأساس، وذلك لأن حق الملكية حق مقدس حمته الدساتير والمواثيق الدولية، فكان لزاما على المؤسسات العمومية التقيد بالشرعية في نزع هذه العقارات من مالكيها. والمقصود بنزع الملكية للمنفعة العامة هو قيام السلطة الإدارية بحرمان المالك من عقاره جبرا لتخصيصه للمنفعة العامة مقابل تعويض عادل، وإذا كانت مسطرة التفويت قد عرفت عدة تغيرات في طرق تنفيذها، بدء من اتفاقية الجزيرة الخضراء الصادرة سنة 1906 إلى القوانين الحالية، وذلك إما بصدور ظهير الإعلان عن المنفعة العامة لمنطقة معينة، فيمنع تفويتها أو بناؤها أو غرسها، أو صدور قانون كما هو الشأن بالنسبة للقانون الدبلوماسي الصادر سنة 1908، أو أن يفصل القاضي بالتراضي بين الأطراف طبقا لأحكام الشريعة الاسلامية، أو صدور دورية كدورية الصدر الأعظم الصادرة سنة 1912، إلى أن صدر ظهير 31 غشت 1914 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، ثم ظهير 3 أبريل 1951 الذي جاء ليصحح نواقص سابقه، وبعدها قانون 81ـ7 الصادر بتاريخ 6 ماي 1982. وهكذا حددت هذه القوانين العقارات والحقوق القايلة لنزع الملكية، كما حددت الجهات المخول لها نزع الملكية إما بصفتها من الأشخاص المعنويين الخاضعين للقانون العام ، أو مكاتب ووكالات وشركات فوض لها من الدولة الحق في تملك العقارات اللازمة للقيام بنشاطها. كما حددت هذه القوانين شكل وصيغة المقرر الإداري المتخذ لإعلان المنفعة العامة، والذي قد يأتي في شكل مرسوم أو قرار إداري صادر عن الوزير المعني بالأمر أو وزير المالية أو وزير الداخلية أو الوزير الوصي. وإذا كان المشرع من خلال هذه الترسانة القانونية قد حاول جاهدا تأطير مسطرة نزع الملكية، وتبيان الإجراءات والمراحل الواجب احترامها لنزع ملكية العقارات، فإن الواقع العملي والعمل القضائي أبانا عن عدد من الخروقات والتناقضات التي أثرت بشكل واضح في تنزيل هذه القوانين على أرض الواقع والتي كان يرجى منها أن تتم في احترام تام لحقوق ومصالح طرفي النزاع.

الإشكالات الواقعية التي تعترض قضايا نزع الملكية للمنفعة العامة

قد تختلف المشاكل التي تعترض قضايا نزع الملكية سواء بالنسبة للجهة النازعة أو الجهة المنزوع منها أو المؤسسات الساهرة على تنفيذ عملية انتقال الملكية، كما أن المحاكم وكل من يعمل في دائرتها من مساعدي القضاء، يجدون صعوبة سواء في طرق التقاضي أوشكليات الدعوى من صفة ومصلحة وأهلية، وكذا من حيث القرارات الإدارية القاضية بنزع الملكية والتي تبقى في غالب الأحيان معلقة بدون تنفيذ فتؤثر سلبا على المالك أو المستغل، أو أنها تأتي بطريقة فجائية لتغير معالم تصاميم التهيئة ما يبعث على عدم الاستقرار في المعاملات والاستثمارات، أو أن الجهة المنزوع منها تكون غير معروفة، فترفع الدعاوى في حق من يجب، لتتأرجع ما بين عدم القبول أو الرفض حسب توجه الهيئة الحاكمة وما استقرت عليه من اجتهاد قضائي.

إشكالات الإدارة أو الجهة النازعة:

من الإشكالات العملية التي تعترض الإدارة أو الجهة النازعة هي مسألة تصميم التهيئة الذي يكون غالبا محصورا في خمس سنوات أو رهين بالمدة الانتخابية للحكومة أوالمجالس الجماعية والقروية، ما يجعله دائم التغير ومشوب بالاستبدال، أو البقاء في شكل مشاريع على ورق لا تجسد على أرض الواقع، كما أن التراخيص الاستثنائية derogation تزيد من حدة هذه الإشكالات، ما يجعل الإدارة دائمة التقدم بطلبات نزع الملكية لحاجتها الحالّة والمتغيرة في تنزيل تصاميم التهيئة الجديدة والمشاريع المقترحة بمناسبة تشكيل الحكومة المعينة أو المجلس المنتخب. وما إن تتقدم بمشروع مقرر التخلي حتى تصطدم بمشاكل أخرى منها مثلا تنوع طبيعة العقارات بالمغرب، فبالإضافة إلى الأراضي المحفظة وغير المحفظة، تجد أراضي الخواص وأراضي الجموع والأراضي السلالية وأراضي الأحباس والوقف وأراضي الكيش وأراضي المياه والغابات وأراضي الإصلاح الزراعي والمحميات والتعاونيات والجمعيات، فتبدأ مسطرة نزع الملكية بالتعثر في أولى خطواتها، فمن جهة إذا كان نزع الملكية سيهم أرضا تابعة لملك الدولة العام أو الخاص، تجد الإدارة النازعة نفسها أمام مقاضاة إدارة أخرى، ويمتد هذا النزاع القضائي لعدة سنوات حتى يصل لمحكمة النقض لتنظر فيه مرة أو مرتين، وكان من باب المنطق والحكامة الجيدة أن تتفاوض المصالح القانونية للجهتين للوصول إلى حل ودي وفي حالة التعذر رفع الأمر لرئيس الحكومة لإيجاد حل لهذا النزاع بين مكونات نفس الحكومة. تطبيقا للمادة الخامسة من القانون التنظيمي 065/13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها. وقد ذهب رئيس الحكومة السابق إلى إصدار منشور في هذا الشأن وجهه لكل من وزير الدولة والوزراء والوزراء المنتدبين والمندوبين السامين والمندوب العام، للتدخل بين الإدارات للحد من النزاعات القضائية القائمة بينهم. يعهد فيه للوكيل القضائي للمملكة للقيام بمهمة التوفيق بين الإدارات في النزاعات القائمة فيما بينهم مع رفع الأمر لرئيس الحكومة حالة استمرار الخلاف للتحكيم في الأمر. وإن كنت أقترح أن القضاء في مثل هذه الدعاوى، عليه أن يقضي بعدم قبول الدعوى لكون الإدارة لم تفعل المسطرة الإدارية المنصوص عليها بمنشور رئيس الحكومة قبل اللجوء إلى القضاء، ومع ذلك فلازلنا نلاحظ آلاف الملفات ما بين مختلف الإدارات العمومية تثقل رفوف المحاكم وتؤثر بالتالي على الناجعة القضائية من جهة وعلى تعثر المشاريع العامة والتنمية الاقتصادية من جهة أخرى. لأن سبب النزاع بين هاته الإدارات يكون بالدرجة الأولى في الثمن المقترح للمتر المربع للمساحة المراد انتزاعها، ما يدفع الإدارة المنزوع منها للجوء إلى القضاء. كما أن النزاع لا ينحصر بين الجهتين فقط، بل يشمل كل المدخلين والمتدخلين في الدعوى من وزارة ومندوبية ووكيل قضائي وجماعة ترابية وشركات التهيئة ذات المنفعة العامة، فتتضارب المصالح وتتنوع وسائل الدفاع، كما أن الوكيل القضائي للمملكة يستعمل كل وسائل الطعن المتاحة وفي جميع الملفات التي يكون فيها طرفا، رغم يقينه من خلال الواقع والاجتهادات القضائية المستقرة والمتواترة، أن طعنه هذا لن يأتي بجديد ولا بفائدة للدولة. فهل هناك إرادة حقيقية لمختلف الإدارات العمومية والجماعات الترابية في التقيد بمنشور رئيس الحكومة واللجوء للوساطة والتحكيم الوديين لحل النزاعات الداخلية فيما بينهم. أضف أن الجماعات المحلية بدورها تسهم في تعميق هذه الخلافات، حينما تخصص بعض المساحات بالتجزئات السكنية لمرافق عمومية، فتظل على هذا الحال بدون إنجاز لسنوات عديدة، ما يعطي الحق لمالك التجزئة في المطالبة باسترداد هذه المساحات من خلال دعوى محو آثار تصميم التهيئة، ويتقدم بمشاريع قد تكون وهمية أو غير حقيقة للمطالبة بالتعويضات عن تفويت الفرصة والمنع من الاستغلال. ​

أما عن نزع الملكية لأراضي الخواص، فالدولة الآن تؤدي ثمن سياساتها في السنوات الفارطة، حينما فوتت الأراضي التابعة لها للخواص، وبأثمان جد زهيدة، كما هو الشأن بالنسبة لشركتي صوديا وصوجيتا العموميتين واللتان فوتتا عقاراتها للخواص في إطار عملية الإصلاح الزراعي لتثمين قيمة هذه العقارات وجعلها صالحة للفلاحة والزراعة، فكان عليها اشتراط تنازل مالك هذه العقارات لصالح المنفعة العامة، كلما اقتضت الضرورة ذلك، كما كان عليه الأمر في عهد الحماية حيث صدرت دورية الصدر الأعظم بتاريخ 26/ مارس/ 1912 والتي تلزم المشتري في عقد الشراء بأن يفوت للدولة الأجزاء الضرورية لتنفيذ الأشغال العمومية، متى طلبت منه ذلك، وبدون عوض، حتى تكون الدولة في حل من مسألة نزع الملكية وما يتبعها من إجراءات طويلة ومعقدة وتعويضات.​

إشكالات الاعتداء المادي على العقار

إذا كان المشرع المغربي قد أدخل قضايا نزع الملكية بصريح العبارة في اختصاص المحاكم الإدارية طبقا للمادة 8 من القانون رقم 90. 41 المحدث بموجبه المحاكم الإدارية، فإن فعل الاعتداء المادي لم يأت بهذه العبارة، بل أدخل ضمنيا ضمن الأضرار التي تتسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام والواردة بنفس المادة، فنجد هذا النوع من القضايا يعنون بدعاوى التعويض عن الضرر، لأن الاعتداء المادي هو خروج الإدارة أو أشخاص القانون العام عن مبدأ الشرعية في أعمالهم القانونية الأحادية الجانب، وذلك للإلتفاف على المنع القانوني القاضي بعدم جواز عرقلة عمل الإدارة من طرف القضاء، ما ينزع عنها المشروعية فتصبح أعمالا مادية تمس حقوق الأفراد، كحق الملكية مثلا. وقد عرفه الفقه الفرنسي بأنه كل عمل مادي تنفيذي غير مشروع، ماس بالملكية الخاصة أو بالحريات العامة أو بحقوق الأفراد والجماعات، صادر عن سلطة إدارية، فيصبح بالتالي مجردا عن صفته الإدارية، وتفتقد الإدارة بسببه كل الامتيازات المعترف لها بها كسلطة عامة، فتنزل منزلة الأفراد العاديين ويخرج عملها هذا عن رقابة القضاء الإداري. وعرفه القضاء المغربي في قرار المجلس الأعلى عدد 74 بتاريخ 12/3/1992 بأنه عمل مادي غير مرتبط بنص تشريعي أو تنظيمي، وليست له أية صلة بالقرارات الإدارية الصادرة عن السلطة الإدارية. ولهذا كان القضاء المدني وإلى عهد قريب هو الذي ينظر في هذه الدعاوى. ولأن هذا الاعتداء المادي لا يتحصن بفوات أجل الطعن المحدد في 60 يوما والمنصوص عليه في المادة  23 من قانون 90/ 41 فإنه يمكن للإدارة سحبه وللأفراد الطعن بإلغائه، ما يخلق إشكالات قانونية ومادية أمام القضاء سواء للأفراد فيما يتعلق بممتلكاتهم أو بالنسبة للدولة حيث يمس بماليتها ومصالحها العامة. ما دفع فرق الأغلبية بمجلس النواب سنة 2020 للتقدم بمقترح قانون يقضي بتجريم الاعتداء المادي للسلطات العمومية على الممتلكات، وذلك بإضافة الفصل 224 مكرر إلى الفرع الثالث من مجموعة القانون الجنائي، لتمييز الاعتداء المادي عن التصرفات أو الاجراءات الإدارية، سواء كانت سليمة أو مشوبة بالشطط في استعمال السلطة، وينص المقترح على معاقبة كل مسؤول عمومي أمر أو باشر بنفسه عملا أو تصرفا أو إجراء يؤدي إلى الاعتداء المادي على ممتلكات الخواص، بدون سلوك مسطرة نزع الملكية، بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين. وهذا تماشيا مع  مقتضيات الفصل 35 من الدستور المغربي الذي ينص على ما يلي: (يضمن القانون حق الملكية ويمكن الحد من نطاقها وممارستها بموجب القانون إذا اقتضت ذلك متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، ولا يمكن نزع الملكية إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون). وهذا ما حدا بالقاضي الاستعجالي الإداري في إطار الفصل 149 من ق م م للتدخل بإصدار قرارات تقضي بطرد الإدارة المعتدية من العقار المعتدى عليه، أو وقف الأشغال دونما التقيد بمقتضيات الفصل 25 من ق م م الذي ينص على أنه يمنع على المحاكم عدا إذا كانت هناك مقتضيات قانونية مخالفة، أن تنظر ولو بصفة تبعية في جميع الطلبات التي من شأنها أن تعرقل عمل الإدارات العمومية للدولة أو الجماعات المحلية الأخرى أو أن تلغي إحدى قراراتها. ولكنه مع ذلك يراعي في أوامره هاته ألا تمس بمصالح الدولة وماليتها خصوصا إذا كانت الأشغال قد قطعت شوطا مهما أو أصبح من المستحيل إزالتها أو تداركها.

وهكذا قضت المحكمة الإدارية بالرباط على أنه “لئن كان يحق للمالك المستظهر بسند رسمي على ثبوت تملكه لعقاره المعتدى عليه ماديا أن يطالب برفع حالة الاعتداء المادي وبالتعويض عن حرمانه من استغلال ملكه، فإن ذلك يبقى مقيدا بعدم تمام إنشاء المرفق العام عليه، إذ لا يمكنه حينئذ سوى المطالبة بالتعويض عن فقد ملكه بصفة غير مباشرة، حماية للمال العام وبالتعويض عن الحرمان من استغلال عقاره من تاريخ الاعتداء عليه إلى تاريخ تمام إحداث المرفق العام والشروع في إسداء خدماته للعموم. “أما قضاء الموضوع فإنه حينما ينظر في دعاوى الاعتداء فقد يقضي بالتعويض عن الحرمان من الاستغلال كما يقضي بالتعويض عن فقدان الرقبة، وفي هذا إنهاك لمالية الدولة لأنه يستند في ذلك إلى معايير تقنية كالخبرة وقيمة العقار وموقعه بالنظر لتاريخ طلب التعويض، والذي يكون لاحقا وبمدة طويلة عن تاريخ الاعتداء، لأن هذا النوع من القضايا لا يسقط بالتقادم خلافا للقواعد العامة، وخصوصا المادة 106 من ق إ ع، إذ تبتدئ الآجال من وقت بلوغ العلم للمتضرر، ما يجعل التعويض مبالغا فيه ولا يتلاءم وقيمة العقار وقت تاريخ الاعتداء، خصوصا بالنظر إلى التضخم الاقتصادي والغلاء المتواصل الذي تعرفه العقارات التي تدخل المجال الحضري، فتأتي تقارير الخبرات بتقويم يضاعف بكثير قيمة العقار وقت الاعتداء عليه. ورغم هذه التعويضات الهامة التي تحكم لفائدة المعتدى على ملكيته، فإنها تبقى غير خاضعة لأي اقتطاع ضريبي عن الأرباح العقارية طبقا للمادة 61 من مدونة الضرائب، على اعتبار أن الأمر لم يكن نتيجة بيع أو تفويت وإنما نتيجة غصب واعتداء مادي لا يوجب أي اقتطاع ضريبي.

كما يطرح الإشكال مثلا في تطبيق مقتضات المادة  37  من قانون التعمير في  إطار الاعتداء المادي، والمتعلقة بالمساهمة المجانية والتي جاء فيها : (تقوم الجماعة بتملك العقارات الواقعة في مساحة الطرق العامة الجماعية، وذلك إما برضى ملاكها وإما بنزع ملكيتها منهم، مع مراعاة الأحكام الخاصة التالية :

يكون مالك كل بقعة أرضية تصير أو تبقى مجاورة للطريق العامة الجماعية المقرر إحداثها ملزما بالمساهمة مجانا في إنجازها….)، حيث يعتبر البعض أن هذه المساهمة المجانية تطبق في حالة نزع الملكية للمنفعة العامة، أما وأن الإدارة لجأت للاعتداء المادي فلا مجال لإعمالها وهذا ما ذهبت إليه محكمة النقض في قرارها عدد 91 الصادر بتاريخ 28/02/2007 في الملف الإداري عدد 1764/4/3/2006 والذي جاء فيه: موضوع الدعوى هو اعتداء مادي على عقار المستأنف، فلا يستساغ معه إعمال مقتضى المادة 37 بشأن المساهمة المجانية في إحداث طريق في غياب إدلاء الجماعة ما يفيد إتمامها للمسطرة القانونية الواجبة بشأن مشروع نزع الملكية.

وتواجه الإدارة في حالات أخرى إشكالات من نوع آخر تتمثل في عدم الحكم لها من طرف المحاكم بنقل الملكية، وهذا خلافا لأحكام الإثراء بلا سبب، إذ تعتبر بعض المحاكم أن التعويض عن الاعتداء المادي لا يخول نقل الملكية للمعتدية، فتقضي برفض الطلب. وفي هذا إثراء مباشر للجهة المعتدى عليها وإجحاف في حق الإدارة المعتدية التي تكون قد حكم عليها بأداء التعويض عن الحرمان من الاستغلال وعن فقدان الرقبة، ومع ذلك يبقى العقار موضوع الدعوى في ملك صاحبه، وهكذا تنبهت محكمة النقض لهذا الأمر وقضت في قرارها عدد 281 بتاريخ 21/04/2011 في الملف الإداري عدد 475/4/2/2009 بما يلي: صح ما عابه الطاعنون على القرار المطعون فيه، ذلك أن المحكمة قضت بتعويض عن فقد المطلوبة ملكية عقارها المعتدى عليه ماديا من طرف الطاعنة، ومع ذلك قضت بعدم قبول طلب نقل ملكيته لهذه الأخيرة، خلافا لأحكام الإثراء بلا سبب المتمثلة في نازلة الحال، في إثراء المطلوبة عندما قضى لها بالتعويض المذكور مع احتفاظها بملكية نفس العقار إليها، مما شكل افتقارا مباشرا يقابله إثراء مباشر وتقوم بينهما علاقة سببية مباشرة تتمثل في واقعة واحدة هي السبب المباشر لكل منهما، وهو دفع تعويض عن قيمة عقار لم تنتقل ملكيته إلى من حكم عليه بدفعه، وهو الطالبة المفتقرة فكان بذلك القرار المطعون فيه لما لم يقض بنقل الملكية لهذه الأخيرة والحال ما ذكر فاسد التعليل ومعرضا للنقض.

إشكالات مساعدي القضاء ـ الخبير مثلا ـ

إذا كانت الخبرة أمر اختياري يخضع لقناعة القاضي للقول بإجرائها أم لا، إما تلقائيا أو بطلب من أحد أطراف الدعوى، فإنه ملزم بالرد عن طلب الخبرة الذي لم يستجب له، وهذا لأنها من صميم إجراءات التحقيق وهي بالتالي طريق من طرق الإثبات التي يتم اللجوء إليها لتوضيح نقط تقنية وفنية، تطبيقا للمادة 2 من قانون الخبراء القضائيين رقم 45.00. وهذا ما يجعل جميع قضايا المادة الإدارية تعرف مسطرة الخبرة في ملفات المنازعات ما بين الإدارة والخواص، لأنه غالبا ما تكون هذه القضايا تتمحور حول تحديد نوعية ضرر معين وتقييمه ماديا، ليتسنى للقاضي الحكم بما استأنس به من تقرير هذه الخبرة وما ثبت لديه من خلال وثائق الأطراف. فإن الإشكال هنا يبقى أكبر من ذلك بكثير، فما بين ثمن المتر المربع المقترح من طرف الجهة النازعة وثمن المتر المقترح من طرف الخبير، يضيع القاضي، نظرا للفرق الشاسع ما بين المقترحين، بل وحتى إن لجأ لخبرة تكميلية أو مضادة، فقد تأتي بثمن مغاير للأول والثاني، فلا يستطيع استبيان الثمن الحقيقي الواجب الحكم به كتعويض عن القطعة المنتزعة. ومتى دخلنا في تحليل تفصيلي لمشتملات الخبرة، نجد الخبير قد أدلى بعناصر المقارنة من بيوعات لأراضي مجاورة بأثمان إما خيالية أو قديمة لا تعكس الثمن الحقيقي أو لا تشابه القطعة المنزوعة في تموقعها أو في مؤهلاتها، مما يستوجب معه عدم إعمال هذه المقارنة المغلوطة في مضمونها، وإن كانت تبدو منطقية في ظاهرها، أضف أن محتويات العقار من مباني ومخازن وأغراس ومشتملات لا يمكن تقييمها تقييما حقيقيا إما لعدم وجود فواتير تؤكد المبالغ المصروفة على بنائها وإنجازها، أو أن مالكها أدلى بوثائق يتعذر على الجهة النازعة دحضها أو التشكيك فيها. ورغم ما يثبت للمحكمة في الخبرات من خروقات في تقييم العقارات ومشتملاتها، فإن الإدارة غالبا لا تلجأ للمساطر القضائية، وخصوصا الجنحية منها، للطعن في هذه الخبرات لترتيب الجزاء العقابي متى ثبت التزوير أو المحاباة أو مخالفة الحقيقة، طبقا لمقتضيات القانون الجنائي وخصوصا الفصل 375 وما بعده. كما أن الوضعية القانونية للمفوض الملكي لدى المحاكم الإدارية، تطرح أكثر من سؤال حول مدى أحقيته في تحريك الدعوى العمومية بشأن التزوير أو إخبار النيابة العامة المختصة بذلك لاتخاذ المتعين.

لهذا أقترح لتفادي هذه المعضلات اعتماد تطبيق تحدد بمقتضاه مراجع أسعار العقار بكل منطقة، للاحتكام إليه كمرجع عمومي معتمد من طرف الدولة، ويتم تحيينه بشكل مستمر وآني، كما هو الشأن بالنسبة لإدارة الضرائب التي هيأت دليلا خاصا بتحديد السعر المرجعي للعقارات لاحتسابه في تطبيق الضريبة على العقارات، وكانت الإنطلاقة من مدينة الدار البيضاء كمرحلة أولى في انتظار تعميمه على باقي المدن المغربية.

إشكالات القضاء بمختلف درجاته

تبقى الأسباب الكامنة وراء ما يعترض القضاء من إشكالات في قضايا نزع الملكية كثيرة ومتنوعة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، أن القاضي الإداري هو مشرع نفسه، وذلك لأن القضاء الإداري هو قضاء حديث العهد مقارنة مع القضاء المدني، وأن مراجعه واجتهاداته تكاد تكون جد محدودة، أضف أن قضاياه تختلف باختلاف تصرفات الإدارة من قرارات تستوجب الإلغاء أو عقارات خضعت للنزع للمنفعة العامة أو مسؤولية توجب التعويض. ما يجعل قرارات القاضي الإداري بمثابة تجربة تطبيقية تسهم في تعزيز النظام القانوني، فتقاس بها مشروعية أعمال الإدارة عندما يسكت المشرع عن وضعها في قالبها القانوني. ولهذا سمي القضاء الإداري بقضاء الإلغاء والقضاء الشامل.

ومن خلال الطعون التي ترفع أمام محكمة النقض، يتضح أن القرارات التي يتم الطعن فيها بالنقض تكون بطبيعة الحال قد جانبت الصواب فيما ذهبت إليه، فتكون الوسائل المثارة في عريضة النقض مقبولة ومؤسسة، ما يستوجب معها القول بالنقض والإحالة بطبيعة الحال، ولكن في قراءة متأنية لهذه القرارات ومحاولة وضع اليد على مكمن الخلل، نجد أن القاضي الإداري يتيه ما بين القوانين الخاصة والعامة والمراسيم التنظيمية والقرارات الإدارية، واختلاف هذه الترسانة القانونية ما بين وزارة وأخرى، وفوق هذا وذاك يجد الاجتهاد القضائي لمحكمة النقض يختلف بين سنة وأخرى وما بين قسم وآخر، فيصعب عليه الفصل في القضايا بشكل سلس، أضف أن المقالات المرفوعة إليه من طرف الممثلين القانونيين للإدارات، تفتقر في غالب الأحيان للشكليات المطلوبة والمعلومات الهامة المبينة لكنه النزاع، فمثلا وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تعتبر نفسها غير معنية بأداء الرسوم القضائية عن دعاويها، مستندة في ذلك على المادة 151 من مدونتها، في حين أن الفصول 1 و22 و25 من قانون المصاريف القضائية، قد حددت المستفيدين من الإعفاء وليس من بينهم وزارة الأوقاف.

وإذا تطرقنا لقضايا المكتب الوطني للكهرباء بصفته مؤسسة عمومية لها امتياز قانوني في إنتاج الطاقة الكهربائية، وما يتطلبه هذا الأمر من تثبيت الأعمدة على الطرقات والأراضي والبنايات، تطبيقا للفصل 2 مكرر من القانون رقم 1.73.201 المعدل لظهير 1.63.226 المتعلق بالمكتب الوطني للكهرباء، الذي يعطيه الحق في احتلال الأراضي لإقامة منشآته الخاصة بالطاقة الكهربائية، فإن الأمر يشكل على القضاء في تحديد طبيعة تصرف هذه المؤسسة العمومية ذات الامتياز فيما يخص نزع الملكية، ما بين أن يصفه باعتداء أو نزع أو حصر ذلك في مجرد التعويض عن الضرر اللاحق بالمالك، كما أن هذا التعويض ومتى ثبت الضرر يتأرجح ما بين تعويض عن ضرر الأعمدة والتي تكون قد منعت البناء بمكانها أو الاستغلال للمساحة الموضوعة بها، أم أن الأمر يتعلق بضرر معلوم مدخول عليه، لا يستوجب أي تعويض، كما لو اشترى أحد أرضا بها هذه الأعمدة واحتسب هذا الضرر في تقدير ثمن البيع، وتجد بعض المحاكم لا تعوض عن هذا الانتزاع الذي يقوم به هذا المكتب على اعتبار أن الأسلاك معلقة في الهواء ولا تعيق المالك في استغلال ملكه على الوجه الصحيح والأكمل.

لهذا لابد من إعداد دليل القاضي الإداري، والذي سيكون بمثابة تحصيل وخلاصة لمختلف الندوات التي ستجمع ما بين قضاة المحاكم الإدارية وممثلي المصالح القانونية لمختلف الإدارات، وأساتذة التعليم العالي في المادة الإدارية، وممثلين عن الوكيل القضائي للمملكة، للخروج بتوصيات تكون بمثابة خارطة طريق، تستقر بمقتضاها صيغ المقالات وتوجهات المحاكم وتعزز بها الاجتهادات القضائية في كل ما سكت عنه المشرع الإداري أو كل ما استجدت به الساحة القضائية في النزاعات الإدارية. وسيكون في هذا الأمر حماية تامة للملكية وحقنا لمالية الدولة من كل تبذير وهدر غير مبرر للمال العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *