الخيانة الزوجية ما بين التطبيق النصي واعتماد الاجتهاد القضائي

بقلم:عبد العالي المصباحي

إذا كان المشرع المغربي قد أدخل الأفعال الماسة بالأخلاق والآداب العامة في خانة التجريم، فذلك لما تحدثه من اضطراب اجتماعي ونفور مشهدي تتقزز منه النفوس، ما يؤثر سلبا على سلوكيات المجتمع، بإغواء الناشئة على الانغماس في الرذيلة وإشاعة التفسخ الأخلاقي. وهكذا خص المشرع الباب الثامن من مدونة القانون الجنائي بفصوله من 449 إلى 504 بعنوان الجنايات والجنح ضد نظام الأسرة والأخلاق العامة، وسمى الفرع السادس منه والمتضمن للفصول من 483 إلى 496 بعبارة ( في انتهاك الآداب )، وكأنه يشير بما ليس فيه مجال للشك، أن هذه الأفعال وإن كانت لذة جرمها وضرر ارتكابها ينحصر ما بين فاعل ومفعول ومجرم وضحية، إلا أن خطورتها تمس مباشرة المجتمع بأكمله وآثارها تنعكس على الأمة بكل مكوناتها، لما فيها من هدم لنظام الأسرة والتي تبقى هي نواة المجتمع، ولما فيها من انتهاك للآداب والأخلاق العامة. والتي تبقى بطبيعة الحال هي قوام المجتمعات وحصنها الحصين، وهذا على حد قول الشاعر: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

وقد يقول قائل أن الاغتصاب وهتك العرض والتحريض على الفساد وغيرها من الجرائم الواردة بفرع انتهاك الآداب، هي من الجرائم التي تمس السلامة الجسدية للأشخاص، وبالتالي كان من الأولى أن تدرج بالباب السابع من مدونة القانون الجنائي التي خصصت للجنايات والجنح ضد الأشخاص، خصوصا وأن دستور 2011 خص الفصل 20 وما بعده للحديث عن الحق في السلامة الجسدية للمواطنين. ومع ذلك فإن هذه الأفعال جرّمت وكما سبق القول لما لها من وقع سلبي مباشر على نظام الأسرة بصفتها نواة المجتمع والأخلاق العامة التي تبقى جزء لا يتجزأ من النظام العام.​

ولأن الجرائم توصف بوصف فعلها وكنهه ومصدره، وتسمى بعموم معنى التصرف المخالف للقانون، فجريمة الضرب والجرح سميت كذلك لما فيها من ضرب وجرح وإيذاء وعنف، وجريمة السرقة سميت كذلك لما فيها من سرقة واختلاس ونهب لمال الغير، إلا أن جريمة الخيانة الزوجية جاءت بصياغة مخالفة لتوجه المشرع في باقي الجرائم، حيث أحال في تجريم الفعل على فهم معناه والبحث عن مفهومه في اللغة والاصطلاح والقوانين الأخرى المنظمة لهذه العلاقة الزوجية، كما جعل من الجريمة فعلا مركبا، حيث لابد لقيامها من وجود فعل الخيانة ثم أن تنصب هذه الخيانة على مضمون العلاقة الزوجية، فما هي الخيانة في مفهوم المشرع وما هي العلاقة الزوجية وامتداد آثارها، وكيف يمكن التوسع في تفسير هذه العبارة ونحن أمام قاعدة عامة وهي عدم التوسع في تفسير النص الجنائي.​

 نص الفصل 491 من القانون الجنائي على ما يلي : يعاقب بالحبس من سنة إلى سنتين أحد الزوجين الذي يرتكب جريمة الخيانة الزوجية، ولا تجوز المتابعة في هذه الحالة إلا بناء على شكوى من الزوجة أو الزوج المجني عليه. غير أنه في حالة غياب أحد الزوجين خارج تراب المملكة، فإنه يمكن للنيابة العامة أن تقوم تلقائيا بمتابعة الزوج الآخر الذي يتعاطى الخيانة الزوجية بصفة ظاهرة.​

فلو كان المشرع يريد أن يحصر الخيانة الزوجية في العلاقة الجنسية خارج إطار الزواج، لقال : كل علاقة جنسية ما بين رجل وامرأة كلاهما أو أحدهما متزوج تعتبر خيانة زوجية. ولكن الجريمة جاءت بصفة العموم، يعني أن كل خيانة لعلاقة الزوجية فهي الجريمة المعاقب عليها بمقتضى الفصل 491  من القانون الجنائي. وهذا خلافا للفصل 490 من نفس القانون والذي عاقب عن جريمة الفساد بقوله: كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة الفساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة.

فما هي الخيانة ؟ وما هي الزوجية أو العلاقة الزوجية ؟.

الخيانة لغة هي نقيض الأمانة، وهي انتهاك أو خرق لعهد أو ثقة أو أمانة، والخيانة اصطلاحا هي مخالفة الحق بنقض العهد بالسر، وهي الاستبداد بما يؤتمن الإنسان عليه من الأموال والأعراض والحرم. أما الخيانة الزوجية في الشرع فلا يمكن أن نبحث عن مفهومها خارجا عن القرآن والسنة، فإذا كان القصد منها زنى أحد الزوجين، فالله سبحانه وتعالى يقول في سورة الإسراء: } وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا{ ، وإذا كان القصد منها النظر والخلوة، فالله  يقول في سورة النور : }قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُون. وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ{ . وقال صلى الله عليه وسلم: لا يخلونّ رجل بامرأة، إلاّ ومعها ذو محرم. رواه مسلم. أما الزوجية أو العلاقة الزوجية فبالرجوع إلى مدونة الأسرة نجدها تعرف الزواج في المادة 4 كالتالي:  الزواج ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة، برعاية الزوجين طبقا لأحكام هذه المدونة. وإذا كان المشرع المغربي قد حصّن هذه العلاقة بشروط لا تقوم بدونها وهي التراضي والترابط الشرعي والدوام والإحصان والعفاف وإنشاء الأسرة المستقرة، فذلك لأنه اعتبرهذه الأسرة في الفصل 32 من الدستور هي الخلية الأساسية للمجتمع حيث نص على ما يلي : الأسرة القائمة على علاقة الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع. تعمل الدولة على ضمان الحماية الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية للأسرة، بمقتضى القانون، بما يضمن وحدتها واستقرارها والمحافظة عليها…..

وبقراءة للمادة 4 من مدونة الأسرة نفهم أن الحفاظ على العلاقة الزوجية يكون بالحفاظ على غايات هذا الميثاق وهي الإحصان والعفاف واستقرار الأسرة، وأن الإخلال بها هو الخيانة المنصوص عليها في الفصل 491 من القانون الجنائي. وهكذا فكل إخلال بهذا الترابط الشرعي من طرف أحد الزوجين سواء الرجل أو المرأة، وكل خرق لإحصان النفس وتنازل عن العفاف، يعتبر خيانة زوجية يعاقب عنها القانون، وهنا لابد من إعطاء تفسير لمفهوم الجنس حتى نستطيع معرفة حالات وصور الممارسات الجنسية التي تلطخ هذا العفاف وتكسر هذا الإحصان متى ارتكبت خارج الإطار الشرعي لهذه الممارسات ألا وهو الزواج. فالجنس متى انحصر في النكاح هو كلمة تطلق على ما له علاقة بالوظائف والأعضاء التناسلية،ويتحقق بالمداعبة أوالتقبيل أوتحفيز المناطق الحساسة أوالأعضاء التناسلية أو الوطء ومن قبيله الجماع والنكاح واللمس والمس والحرث والإفضاء، وكلها عبارات وردت بالقرآن الكريم تفيد نفس المعنى مع اختلاف في الطريقة أو الغاية. وإذا كنا قد فصّلنا في مفهوم الجنس والعلاقة الجنسية فيما يتعلق بالممارسات المادية والملموسة، فما هو مفهوم الجنس في كل ما هو افتراضي ومعنوي؟.

ليس هناك مفهوم موحد للجنس الافتراضي، نظرا لتعدد أساليبه وصوره وطرق ممارسته، فليست له خاصيات أو شروط معينة، فقد يكون بين شخصين أو أكثر، من أجناس مختلفة أو من جنس واحد، أو بين شخص واقعي وآخر افتراضي عبر والوسائط الإلكترونية، غايته إشباع الرغبة الجنسية عن طريق التصور الخيالي أو المشاهدة والدردشة البديئة، كما تتحقق هذه الإثارة والنشوة الجنسية عن طريق الممارسات الجنسية المقروءة والمسموعة والمرئية. وقد ذهب بعض رجال القانون لمحاولة إعطاء هذا الفعل وصفه التجريمي الذي يدخله في خانة القانون الجنائي، حيث سماه المحامي أيمن السباعي بجريمة الزنا السلبي، لانعدام المواقعة غير الشرعية أو الخارجة عن رابطة الزواج على أرض الواقع، وإذا كانت بعض حالات هذا الجنس الافتراضي تدخل ضمن الجرائم الإلكترونية، فهي تبقى من الجرائم التي ترتكب بواسطة الوسائل الإلكترونية (نظام حاسوبي أو شبكة حاسوبية)، وذلك حسب تعريف المؤتمر العاشر للأمم المتحدة لمحاربة الجريمة الإلكترونية، والذي عرفه كالتالي : كل جريمة يمكن ارتكابها بواسطة نظام حاسوبي أو شبكة حاسوبية أو داخل نظام حاسوب.

إلباس الحالات السابقة ـ المادية  و الافتراضية للخيانة الزوجية ـ للقالب القانوني المجرّم لها

بعد هذه التوطئة المختصرة لمفهوم الخيانة الزوجية شرعا ولغة واصطلاحا، لابد لنا الآن من محاولة إلباس هذه الحالات للقالب القانوني المنظم لجريمة الخيانة الزوجية، حتى يتأتى لنا تصنيف ما يدخل في خانة الفعل المعتبر خيانة زوجية، وما لا يدخل فيه أو يصنف في خانات أفعال مجرمة أخرى غير الخيانة الزوجية.

إذا كان من المسلّم لدى عامة الناس أن كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة كلاهما أو أحدهما متزوج تعتبر خيانة زوجية، متى ثبتت بناء على محضر رسمي يحرره أحد ضباط الشرطة القضائية في حالة تلبس أو بناء على اعتراف تضمنته مكاتيب أو أوراق صادرة عن المتهم أو اعتراف قضائي. وهذا قياسا على جريمة الفساد، والتي اعتبرت بدورها كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة الفساد، فإن رجالات القانون لهم قراءة أبعد من هذا، لا تخرق قاعدة عدم التوسع في تفسير النص الجنائي، ولكن تفصل في العبارات ووسائل الإثبات تفصيلا قانونيا. فكل من الفصل 490 و491 من ق ج عاقب عن العلاقة الجنسية إما خارج إطار الزواج، أو داخله ولكن مع شخص غير الزوج، والعلاقة الجنسية كما سبق هي المداعبة أوالتقبيل أو ما يصطلح عليه بمقدمات النكاح، أو تحفيز الأعضاء التناسية أوالحساسة أوالمواقعة، ولم أذكر هنا العزل أو الاستمناء أو العادة السرية، لأنها ممارسة ذاتية وسرية يقوم بها الشخص لإرضاء شهوته، غالبا ما تتم في سرية تامة وبعيدا عن أعين الناس، فينتفي معها مفهوم  العلاقة. والعلاقة الجنسية هنا تجد لها سندا في تفسير الفقهاء لعقد النكاح، حيث عرفوه بعقد يفيد ملك المتعة قصدا بالاختصاص ببضع الزوج في الاستمتاع والاستنفاع به وبسائر الذات أو البدن.

ومن هنا يمكن أن نعرف الخيانة الزوجية كالتالي:

(الخيانة الزوجية هي ممارسة الجنس مع غير الزوج أو الزوجة وذلك بالتعري المتعمد أو المداعبة أوالتقبيل أوتحفيز الأعضاء الحساسة أو التناسلية للشريك أوالمواقعة بكل صورها من وطء ولواط وسحاق ).  وقد يعيب علي البعض إدخال اللواط والسّحاق في هذا التفسير، فأقول أن المشرع المغربي حينما جرّم العلاقة الجنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزواج سماها بالفساد، لأنه عاقب في الفصل 489 من ق ج عن العلاقات الجنسية الشاذة بالنسبة لغير المتزوجين، والذي جاء فيه : يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مائتين إلى ألف درهم  من ارتكب فعالا من أفعال الشذوذ الجنسي مع شخص من جنسه،ما لم يكون فعله جريمة أشد. أما المتزوجين فالخيانة الزوجية تستغرق كل هذه الممارسات حسب ما أوردناه سابقا، ولهذا نص الفصل 489 في الآخر عبارة ما لم يكون فعله جريمة أشد، وكأنه يتحدث عن الشذوذ الجنسي عند المتزوجين، فالزوج (ة) المثلي مثلا يكون شريكه هو المتضرر الأول من نتيجة علاقاته الشاذة مع شخص أجنبي من جنسه، لما في ذلك من استمتاع ببضعه من طرف شخص غريب عن العلاقة الزوجية وما قد ينتج عن ذلك من نفور من الزوج وهجر ونشوز، فيكون الزوج المثلي بهذا الفعل قد انتهك الغاية من الزواج والتي تبقى هي الإحصان والعفاف. كما أن التعري المتعمد وإظهار المفاتن لغير الزوج يدخل في باب الخيانة الزوجية كما سبق ذكره، وذلك لاستباحة الجسد أو الذات لغير الشريك في العلاقة الزوجية، وقد يقول البعض أن هذا الفعل تنتفي معه المواقعة واللمس، فعلا ولكن المتعة الجنسية تتحقق عند الناظر أو المتفرج، علما أن من الانحرافات السلوكية في باب الجنس الناتجة عن الاضطرابات النفسية، نجد الفتشي والتبصصي والاستراقي والاستعراضي فهم أشخاص يتلذذون ويحققون رغباتهم الجنسية الشاذة باستراق النظر أو التعري أمام الناس أو الاستمناء على لباس أو دمية أو صورة أو أداة أو عضو من أعضاء الإنسان إلى غير ذلك. وهكذا ذهبت محكمة النقض في قرارها عدد 1431/3 بتاريخ 17 أكتوبر 2018 ، أن اعتراف الزوجة في محضر الشرطة القضائية بتبادل القبل مع رجل أجنبي عنها يشكل خيانة زوجية في حق زوجها، فهو خيانة لرابطة الزوجية والوفاء والثقة بين الزوجين. وتدعيما لما سقناه فقد ذهبت محكمة النقض كذلك في قرارها عدد 124 الصادر بتاريخ 29 يناير 2014، إلى رفض طلب الطعن ضد قرار استئنافي قضى بإعادة تكييف فعل الخيانة الزوجية ـ اعتبارا لمكالمات صوتية مسجلة بهاتف الزوجة مع الغيرـ إلى تحريض على الفساد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *