مصطفى فارس:من يملك اليوم السلطة أو قدرة التأثير على القضاء والقضاة؟

مراكش: عـزيـز بـالرحـمـة

قال السيد مصطفى فارس الرئيس الأول لمحكمة النقض ،الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية اليوم الأربعاء 17 أكتوبر2018 بمراكش أنه بكل مشاعر الاعتزاز أشارك  في افتتاح أشغال الندوة الدولية الهامة التي سيؤطرها شخصيات كبرى يمثلون تجارب ومدارس قانونية قضائية وحقوقية متميزة.

وأغتنم هذه المناسبة لأحي عاليا معالي رئيس الاتحاد الدولي للقضاة السيد كريستوف رينار وكل السادة الرؤساء أعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد وكل من ساهم في إعداد وإخراج الميثاق العالمي للقاضي.

ميثاق نعتبره وثيقة تاريخية مرجعية تشكل نتاج تراكمات ناضل من أجلها القضاة عبر العالم وتحمل الكثير من الطموح والانتظارات وتعبر عن وعي كبير  بالضمانات الواجب توفيرها لممارسة سليمة للمهنة والارتقاء بها إلى سلطة حقيقية تحقق العدل الذي يصون الأمن للجميع، الأمن الذي عبر عنه الفيلسوف الفرنسي مونتيسكيو بقوله المأثور:  ” une injustice faite à un seul est une menace à tous «

فشكرا لكم على هذه المبادرة المتميزة التي نعتبرها بكل تأكيد مناسبة للاستماع بإمعان لنبض الأسرة القضائية العالمية الموحدة بآمالها وقيمها ورسالتها المجتمعية الفضلى.

وأضاف فارس الذي كان يتحدث خلال الندوة الدولية حول “استقلال القضاء وإرساء الوضعية الكونية للقاضي”  سأغتنم هذا الحيز الزمني المتاح لأقتسم معكم بعضا من تجربتنا في مسار تكريس استقلال السلطة القضائية.

وهنا لا بد أن أؤكد على منطلقات أساسية أكدت هاته التجربة وحددت ملامحها ومنها:

أولا: وجود إرادة ملكية عليا واضحة في العديد من المحطات والمناسبات من اجل تكريس وتعزيز هذا الاستقلال كخيار استراتيجي لا مجال للتراجع عنه في ظل مخطط إصلاحي شمولي لإصلاح منظومة العدالة.

إرادة منبثقة من صريح الدستور الذي ينص على أن الملك هو الضامن دستوريا لاستقلال القضاء ويرأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية .

ثانيا: فإنه بالنظر لاختلاف التسميات والتطبيقات والآليات والضمانات من دولة لأخرى حتى بالنسبة لتلك المنتمية لنفس المنظومة القانونية (اللاتينية، الجرمانية، الأنجلوساكسونية، الاسكندنافية…)، فقد كنا مطالبين بأن نضع تصورنا الخاص بعناصر هذا الورش وآليات تطبيقه بما يتلاءم والثوابت المرجعية للمملكة قصد تطوير نموذجنا الديموقراطي التنموي المتميز.

ثالثا: كان المطلوب إيجاد الآليات التي تكفل فصل وتوازن وتعاون بين السلط (الفصل يتضمن الاستقلال، والتوازن يستتبع وضع الحدود ويجنب الانحراف، والتعاون يقصي المواجهة) وهو ماقرره الدستور المغربي الجديد في فصله الأول حيث جاء فيه: “يقوم النظام الدستوري بالمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها والديموقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة”.

رابعا: البحث عن توطيد أسس استقلال القضاء واستقلالية القضاة في أبعاده المختلفة لم يكن بحثا عن امتياز للسلطة القضائية وإنما هو حق للمواطن في المقام الأول، هدفه الحفاظ على ثقة الأفراد في سلطتهم القضائية.

وهو ما أكده المشرع الدستوري الذي كان واضعا نصب عينيه هذا المعطى حيث أنه بعد ما أسس في المحور الأول لاستقلال القضاء ثم تناول في المحور الثاني مؤسسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية فإنه في المحور الثالث تناول حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة وكأنه يريد أن يؤكد بأن هذا الاستقلال وهذه المؤسسة الدستورية ليسا إلا وسيلة لضمان حق المواطن في المحاكمة العادلة.

وأشار السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض قائلا إن الحديث عن استقلال القضاء هو في عمقه طرح لسؤال أولي بسيط :

“من يملك اليوم السلطة أو القدرة على التأثير على القضاء والقضاة؟ “

والأكيد أن عناصر الجواب يمكن تحديدها في الجهات التالية:

✓ السلطة التنفيذية.

✓ السلطة التشريعية.

باقي السلط الشديدة التأثير :

✓ سلطة المال المغرية بالارتشاء

✓ سلطة الإعلام.

وبالتالي أية مقاربة حقيقية وشمولية وعميقة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار هذه الجهات المؤثرة التي يمكن أن نضيف إليها أيضا التأثيرات الصادرة من داخل الجهاز القضائي نفسه.

إنه من المتفق عليه من خلال تراكم التجارب الدستورية والتشريعية والقضائية والرصيد الكبير للاتفاقيات والإعلانات والمواثيق الدولية والقارية والإقليمية والجهوية أن هناك قواسم وشروط مشتركة لابد منها للارتقاء بالقضاء كسلطة وهي :

✓ مناخ ديموقراطي حر

✓ حركة قانونية شاملة تبدأ من القوانين التأسيسية وتصل إلى كل ما له علاقة بالنظام القانوني .

✓ ممارسة عملية ملموسة تقر بأن السلطة القضائية ليست فرعا من أصل وإنما هي أصل قائم بذاته، مع ما يرتبط بذلك من إشراك مختلف الفاعلين في قطاع العدالة في إنجاح هذا الورش الإصلاحي الشمولي.

وهو ما ظهر جليا في دستور 2011 الذي أسس لسلطة قضائية مستقلة بضمانات وآليات متعددة وفلسفة جديدة يمكن الوقوف على بعض ملامحها كالآتي :

أولا: خصص المشرع الدستوري في بابه السابع ستة فصول كاملة تتعلق باستقلال القضاء (المواد من 107 إلى 112) أكد فيها من جهة خصوصية التجربة المغربية وراعى فيها من جهة أخرى المبادئ الأساسية المتعارف عليها عالميا في مجال استقلال القضاء، فنص على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية وان الملك هو الضامن لهذا الاستقلال، ومنع بشكل صارم التدخل أو التأثير على القضاة بشان مهمتهم القضائية أو إعطائهم أي تعليمات أو أوامر أو إخضاعهم لأي ضغط وأدخل كل ذلك ضمن دائرة التجريم، ملزما القضاة بالدفاع عن استقلالهم من خلال التبليغ عن كل ما يهدد هذا الاستقلال تحت طائلة اعتبار التهاون في هذا الأمر خطأ مهنيا جسيما.

كما أكد أن قضاة الحكم لا يعزلون ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون ولا يلزمون إلا بتطبيقه، كما خول لقضاة النيابة العامة الحق في عدم الالتزام إلا بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها، ومكن القضاة من حقهم في حرية التعبير والانتماء إلى الجمعيات وإنشاء جمعيات مهنية في إطار احترام القيم والأخلاقيات القضائية.

ثانيا: أسس الدستور الجديد لمجلس أعلى للسلطة القضائية يرأسه الملك بتركيبة موسعة تشمل قضاة منتخبين من طرف زملائهم وآخرين معينين بقوة القانون مع ضمان تمثيلية نسوية، وأعضاء آخرين خارج قطاع القضاء من الشخصيات المشهود لهم بالكفاءة والتجرد والنزاهة والعطاء المتميز في سبيل استقلال القضاء وسيادة القانون. مما يؤكد بالفعل أن القضاء شأن مجتمعي عام يشتغل بما تقتضيه آليات الحكامة القضائية من شفافية ونزاهة ووضوح.

كما لم تعد للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل أي صفة داخل هذه المؤسسة الدستورية التي جعل من مهامها السهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة ولا سيما فيما يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم وجعل قراراتها المتعلق بالوضعية الفردية قابلة للطعن بسبب الشطط في استعمال السلطة أمام أعلى هيئة قضائية بالمملكة.

 ولا شك أن هذه المقتضيات الدستورية الهامة شكلت إطارا مؤسسيا هاما لتفعيل حقيقي لمفهوم استقلال القضاء وحلقة أساسية ضمن مسلسل إصلاح السلطة القضائية.

السيدات والسادة؛

كان لازما علينا أيضا التعبير عن روح هذه المقتضيات في قوانيننا التنظيمية المتعلقة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية وبالنظام الأساسي للقضاة التي تمت المصادقة عليها من طرف المحكمة الدستورية.

والآن وبعد سنة على تنصيب المجلس الأعلى نحن أمام تحدي تنزيل هذه المقتضيات وتفعيلها بالملموس من خلال حكامة مؤسساتية وتدبير شفاف معقلن ومقاربات تشاركية حقيقية مع كل المتدخلين والفاعلين وعلى رأسهم السلطة الحكومية لوزارة العدل.

وللأمانة وبكل موضوعية يجب أن ننوه بالإرادة المواطنة الصادقة التي عبر عنها السيد وزير العدل في هذه المرحلة التأسيسية، التي نكرسها جميعا من أجل قضاء مستقل قوي كفأ ونزيه في خدمة المتقاضين وقريب من انتظارتهم.

والأكيد أن الاستقلال كمبدأ وكخيار يبقى بالنسبة لنا مسألة محسومة لا رجعة فيها إلا أن مضامينه ومظاهره وتحدياته تبقى متسمة بكثير من التعقيد والتطور وتتطلب الكثير من الحكمة والجرأة والعمل المشترك الدؤوب.

الاستقلال أيها السادة والسيدات سيبقى هو معركتنا الأولى والدائمة .

وأضاف السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أن ندوة اليوم ستخولنا بكل تأكيد فرصا جديدة لتطوير تجربتنا ورؤيتنا من خلال المداخلات والعروض القيمة التي سيتحفنا بها نخبة من ذوي التجربة والاختصاص ومن خلال نقاشاتكم الموضوعية وخلاصتكم العملية التي ستتوصلون إليها .

وعزمنا أكيد أن نبذل كل الجهود لتفعيل أمثل للميثاق العالمي للقاضي نصا وروحا، وأبوابنا دائما ستكون مفتوحة أمام مبادراتكم ومشاريعكم الجادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll Up
error: