مذكرات نور الدين الرياحي “عندما أرسل المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طائرة خاصة إلى الشاعر الجواهري…”

عندما ارسل المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طائرة خاصة إلى الشاعر الجواهري احضرته إلى المغرب و استقبل كرئيس دولة و قلده أكبر وسام فكري و قال :

وما عسى أن يقول الشـعـر في ملـك

غنى به شعراء البدو والحضـر

يـا أيـهـا الحـسـن الثاني… يئلنه

ولاة عهدك من أخلاقك الغـرر

بـقـلـم/نور الدين الرياحي

في زمن الحروب و الجوائح و الازمات يفر الإنسان إلى ربه ، و إلى الفن و  الشعر ، عله يجد ملجأ من ملاجئ القلوب المرهفة عوض ملاجئ الحرب و الدم،   محرابا يصلي به بقلبه و شعوره و يتمنى في جو ماطر ان يكون صباحه صوت المحبات و المحبين فالقلب الانيق هو من يختار روحا أنيقة تسكنه ، و يتمنى ان يكون وطنا و جسدا لهذه الروح التي  غالبا ما كانت وطن الشعراء و الادباء و الفنانين و العاشقين .

فيكون الصباح عشق و النفس مشرقة تنثر الحب و الحنان و الفرح و يصبح الاشتياق رواية حنين لا يمكن أن يلخصها الا الشعراء بقوافيهم و الأدباء بكلماتهم فيصبح الصباح نسيم روح و مهجة قلب و نغما شجيا .

لذلك ازدهرت الفنون و الكلمات غالبا في اوقات الشدة لان المعاناة تصقل دائما انفس الشعراء و الادباء و الفنانين .

لذلك كلما استمعت إلى الموسيقار المرحوم فريد الاطرش و خصوصا لرائعته عش انت التي طلع علينا بها في فيلم زمان ياحب و نحن مراهقين،  مع الحسناوتين زبيدة ثروت و ليلى طاهر،  و عميد المسرح العربي الفنان الكبير يوسف وهبي و اضنيتني بالهجر و ووردة من دمنا  التي لحنها لام كلثوم و لم يكتب لها غناءها و هي عن فلسطين و غنتها وردة الجزائرية بعد موتهما .

 تساءلت و انا صغير جدا على سبب اختيار فريد الاطرش و محمد عبد الوهاب  للصبا و الجمال و اسمهان في اسقينيها بابي انت و امي ، و ذهبت ابحث في الكتب و المجلات يوم لم يكن محرك جوجل موجودا عن صاحب الكلمات لاجده بانه الشاعر الكبير الذي عاصرنا و سموه الاخطل الصغير و هو بشارة الخوري ، و ليت بحثي المتواضع توقف لينهل من هذا الشاعر المرهف الذي ذهبت لابحث عنه بسبب اغاني ارددها ،و لا افهمها كثيرا حينها ،و عمري لا يتجاوز 14 ربيعا عندما شاهدنا الفيلم .

لاطلع على قصيدة تكريمه من طرف شاعر آخر بقصيدة كادت تسيل شهدا عذبا من شدة حلاوتها على المسامع لاجد بان الجواهري الذي كرم بشارة في قصيدته المشهورة لا يقل بحرا و محيطا في عالم الأدب و الشعر و الكلمة الجميلة و المعنى الجميل ، عن المكرم و كان لي لقاء مع دواوينهما بمجرد اكتمال رشدي الشعري و الأدبي.

و كم اتذكر كثيرا من اصدقائي و صديقاتي و أفراد عائلتي بمجرد ما يستمعون إلى هذه الاغاني الجميلة ويطلبون مني شرح قوافيها لاتحول دون أن ادري إلى ذلك الشارح لمعاني ، يتجاوز عمقها مكامن قلبي و لساني فاعجز عن شرحها لان لا يمكن أن يعبر عنها الا بها .

و قصة الجواهري مع لبنان قصة كبيرة إذ يجوز أن يخصص ديوان شعر يسمى بلبنانيات الجواهري .

 فهو النشوان  في محلاتها و موانئها و جبالها  و في مقاهيها التى تداعبها بافتتان وتغازلها بعشق ، موجات البحر المتوسط كما قيل ، الساحر والهادر في آن واحد .

وهو ذاته البحر الذي ناجاه الشاعر الخالد و هو يقتسم الآلام وان من موقع آخر، حين كان على سواحله في أثينا عام 1977:

سجا البحر وانداحت رمالٌ ندية

 ولوح رضراض الحصى والجنادلِ

وفكت عرى عن موجة لصق موجة

تماسك فيما بينها كالسلاسل

فكيف لا تتذكر  اللبنانيات الساحرات جمالاً وغنجاً، ما كتبه عنهن الجواهري، عام 1947:

ناغيتُ لبناناً بشعري جيلا

، وظفرته لجبينه اكليلا

وحسان لبنان منحت قصائدي

، فسحبنهنّ كدلهنَّ ذيولا

أهديتهن عيونهنّ نوافذاً

، كعيونهن اذا رميّن قتيلا

ورجعت ادراجي اجر غنيمة

من بنت بيروت جوى وغليلا

و لم يدري التاريخ هل قصد بذلك لبنانية ما ام تلك الشابة التي تزوجها و التي علق على زواجه بها في اربعينات القرن الماضي بعد وفاة زوجته الأولى التي رثاها بقصيدة لم يشهد تاريخ الأدب مرثية أرق منها عندما تألم و فاض قلبه و قد وصله حادث موتها و هو مسافر :

في ذِمَّةِ اللهِ ما ألقَى وما أجِدُ

أهذِهِ صَخرةٌ أمْ هذِه كبِدُ

قدْ يقتُلُ الحُزنُ مَنْ أحبابهُ بَعُدوا

عنه فكيفَ بمنْ أحبابُهُ فُقِدوا

فلم يبالغ من سماه بمتنبي القرن العشرين و هو يشبه كبده بالصخرة كما شبه المتنبي نفسه في :

لم يترك الدهر من قلبي و لا كبدي

شيئا تتيمه عين و لا جيد

يا ساقِيَيَّ أَخَمرٌ في كُؤوسِكُما

أَم في كُؤوسِكُما هَمٌّ وَتَسهيدُ

أَصَخرَةٌ أَنا مالي لا تُحَرِّكُني

هَذي المُدامُ وَلا هَذي الأَغاريد

فليس للفلاسفة شرح للموت و لا يمكنهم ادعاء ما يخبيه القدر لهم و هي وقفة تامل صوفية :

أعيا الفلاسفةَ الأحرارَ جهلُهمُ

ماذا يخِّبي لهمْ في دَفَّتيهِ غد

طالَ التَمحْلُ واعتاصتْ حُلولُهم

ولا تزالُ على ما كانتِ العُقَد

ليتَ الحياةَ وليت الموتَ مرَحمَةٌ

فلا الشبابُ ابنُ عشرينٍ ولا لبَد

ولا الفتاةُ بريعانِ الصِبا قُصفَتْ

ولا العجوزُ على الكّفينِ تَعتمِد

وليتَ أنَّ النسورَ استُنزفَتْ نَصفاً

أعمارُهنَّ ولم يُخصصْ بها أحد

و انظرقلب هذا الشاعر الرقيق كيف سمى زوجته باسم ولده فرات و كيف مزج في هذا البيت بين تسمينها و تاسيه عليها .

حُييَّتِ » أُمَّ فُراتٍ » إنَّ والدة

بمثلِ ما انجبَتْ تُكنى بما تَلِد

تحيَّةً لم أجِدْ من بثِّ لاعِجِها

بُدّاً ، وإنْ قامَ سدّاً بيننا اللَحد

و انظر إلى رجائه لها و هي ميتة فماذا ينفع الجسد بين حب روحين ؟

بالرُوح رُدِّي عليها إنّها صِلةٌ

بينَ المحِبينَ ماذا ينفعُ الجَسد

عزَّتْ دموعيَ لو لمْ تَبعثي شَجَن

رجعت مِنه لحرِّ الدمع أبترِد

و انظر كيف خلع ثوب الاصطبار

 و بان ادعاء الجلد في مثل هذه الحوادث ما هو إلا كذب .

خَلعتُ ثوبَ اصطِبارٍ كانَ يَستُرنُي

وبانَ كِذبُ ادِعائي أنَّني جَلِد

فلا عيب لكنه نسي هذا الجلد  عندما التقى بزوجته الثانية و قد تجاوز عمره خمسون سنة و هي كما سماه نجله حورية شابة .في أواسط الأربعينات، من عائلة “بيضون” اللبنانية – السورية.

وقد كتب نجل الشاعر، فلاح، في بعض ذكرياته المنشورة عام 2009 عن علاقة ابيه، الخمسيني ، بعروسته الشابة الحورية :

“لم أرَ والدي، ولا في أي يوم في بيتنا بمثل هذا المرح والانطلاق، فوجهه اما ضاحك أو مبتسم أو على الأقل ينضح بالرضى… مليء بالحيوية والنشاط… يعبث كثيراً مداعباً أو ممازحاً… ولم يترك تلك “الحورية ” وحدها إلا ما ندر…”

انتهى كلام نجله .

و في هذه الاثناء و من الاطلاع على اشعاره التي لم تحل معاركه السياسية و الصحفية بينه و بين  تفتق غرامياته الجميلة و تذكر بشارة الخوري في حفلة تكريمه بتلك القصيدة و هي رد وفاء لمواقف الاخطل الصغير الذي نعى ملك العراق فيصل و بعده شاعر العراق الزهاوي فانتقل إلى لبنان ليردد قصيدته العصماء :

“لبنانُ” يا خمري وطيبي

هلاّ لَممتِ حُطامَ كوبي

فقد تحطم الكأس و تناثر زجاجه و ليس إلا لبنان لجمع شتاته فيغني الجواهري :

هلاّ رَدَدْتِ لسُهدِها

عيني، وقلبي للوجيب

هلاّ عطفتِ ليَ الصِّبا

نشوانَ يرفُلُ بالذُّنوب

نزَقُ الشبابِ عبدته

وبَرِئتُ من حِلْمِ المشيب

انظر إلى هاذا الناي الذي يحمله الشاعر في قلبه و يعزف به :

لبنانُ ما ذنبي إذا

رقَّعتُ شيْبي بالنسيب

الأخضرُ الريّانُ بين

جوانحي عِرمُ الشُبوب

يا من يقايضُني صدى

الهمساتِ والسَمَرِ المُريب

وترصُدُ القمار كابن

أبي ربيعةَ في المغيب

والكاعبَ الحسناءَ

تستُرني بمِفْضَلِها القشيب

وتنابزَ القبلاتِ في

نجوى كمستَرَقِ الدبيب

ويداً تخبّطُ في الهوى

ويداً تُعابثُ في الجُيوب

يا من يُقايضني ربيعَ

العُمرِ ذا المَرْجِ العشيب

بالعبقريّة كلِّها

بخُرافة الذهنِ الخصيب

بعُصارة الستينَ ترزح

بالأديب وبالأريب

فحتى شاعر الألمان الكبير جوته حاضر و هي ايحاءة إلى هتلر  الذي دمر الكرة الأرضية بحربه العالمية الثانية و هو يلقي قصيدة بشارة :

شيطانَ ” غوته ” يا ربيب

لغدرِ والدمِ والحروب

ومُقايضَ السبعينَ

بالعشرينَ عن ثمنٍ رهيب

لو جئتَني لوجدتني

مَحضَ السميعِ المستجيب

أيهٍ بشارةُ والليالي

مثقلاتٌ بالعجيب

متدافعاتٌ بالفُجاءة

لايَنينَ من اللُّغوب

و لا يمكن لأية نزهة ان تختزل أشعار هذا الشاعر الذي قدم مادة في النسيب و الغزل و  الفخر و المدح و الرثاء و السياسة و الصحافة ، صناعة شعرية  سجل له التاريخ بانها جواهر اسما على مسمى  ،و بانها الصور التي ملأت كينونتنا و استطاع بها   دغدغة عواطفنا و شعورنا بشعر موزون مقفى ربما  كان آخر عناقيده في عصرنا الحديث.

بتلك الفلسفة التي طبعت اشعاره لم يستطع انكارها عليه كالمتنبي تماما حتى من خاصمه في السياسة و الصحافة و في معارك لا زالت تسيل كثيرا من المداد .

و حسبنا حظا  اننا عاصرنا و لو في جزء يسير مثل هؤلاء العمالقة و انتشينا بعبقريتهم و فنهم .

                      يتبع ان شاء الله

مذكرات نور الدين الرياحي

الاحد 6 مارس 2022

نزهة 40- 23

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *