عـيـن على الشرطة القضائية ..

وطني24/عزيز لعويسي

تعد “الشرطة القضائية” أو “الضابطة القضائية” الذراع القانوني للدولة في مواجهة الجريمة، وهي تضطلع بأدوار واختصاصات متعددة المستويات، تختزل في الوقاية من الجريمة وجزر مرتكبيها، لكن وهي تباشر مهامها المخولة لها قانونا على المستوى الزجري (الشرطة القضائية) كما على المستوى الوقائي (الشرطة الإدارية)، تصطــدم هذه الضابطة القضائية بجملة من الإكراهات التي تعرقل عملها الاعتيــادي وتنزع عنه رداء الجودة والفاعلية، وعليه سنرصد بعض جوانب هذه الإكراهات والصعوبات ( جهاز الشرطة نموذجا) التي يرتبــط بعضها بازدواجية السلطة التي تخضع لها (قضائية، إدارية) والبعض الثاني  يلامس قنوات التواصل بينها وبين النيابة العامة (التعليمات الشفوية أساسا) وبعضها الآخر يتقاطع مع طبيعة الاختصاص النوعي الذي يحدد نوعية القضايا التي تعالجها دوائر الشرطة وتلك التي تنظر فيها مصالح أو فرق الشرطة القضائية، وكذا بعض الصعوبات  ذات الصلة بضعف الحصيص ومحدودية التكوين، على أن نقوم بإبــداء بعـض التصورات والاقتراحات التي من شأنها تصحيح الاختلالات الحاصلة على مستوى واقع الممارسة العملية .

ازدواجية السلطة :

على مستوى هيكلة المصالح اللاممركزة، تلعب مصالح أو فرق الشرطة القضائية ودوائر الشرطة دورا محوريـا في الوقاية من الجريمة وجزر مرتكبيها، فمصالح أو فرق الشرطة القضائية تبقى مصالح قائمة الذات وهي تابعة مركزيا إلى مديرية الشرطة القضائية، أما دوائر الشرطة فهي تابعة للأمن العمومي ومركزيا لمديرية الأمن العمومي، ورغــم هذا الاختلاف الهيكلي، فإن الخيط الناظم بين المصلحتين هو ” عمل الضابطة القضائية”، بمعنى أن المصلحتين تتقاطعان في المهــام والاختصاصات التي يخولها قانون المسطــرة الجنائية لضباط الشرطة القضائية، من قبيل التثبت من وقـــوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيهــا، وتنفيـذ أوامر و إنابات قضــاة التحقيق وأوامر النيابة العامة، وتلقي الشكايات والوشايـات وإجراء الأبحاث التمهيدية، واعتبارا للصفة المشتركة بين المصلحتين (الصفة الضبطية)، فـــإن ضباط الشرطة القضائيـــة سواء الممارسين بمصالح أو فرق الشرطة القضائيـة أو بدوائر الشرطة، يخضعــــون في إطار ممارسة مهامهم الاعتيادية إلى سلطتين اثنتيـــن : سلطة “قضائية” و أخرى “إداريــة”، وهذه الازدواجيـــة تطرح جملــة من المعوقــات العملية، بحكم أن ضابط الشرطــة القضائيــة لما يضــــع اليــد على قضية من القضايا (جنح أو جنايات)، يجــد نفسه مجبرا على سلك مسلكين إثنيــن في نفـــس الآن :

– إشعار النيابة العامة “هاتفيا” بظروف وملابسات الواقعة المعروضة عليه في حينه، وتلقي تعليمات فوريـــة بشأنها، خصوصا فيما يتعلق بإخضاع المشتبه فيه رهن تدبير الحراسة النظرية أو عدمه .

– إشعار الرؤساء المباشرين/الإدرييين (رئيس الدائرة، رئيس الشرطة القضائية، العميد المركزي، رئيس المنطقة … ) حول القضية المعروضة عليه، وتلقي عند الضرورة تعليماتهم أو توجيهاتهم بشأنها .

ورغم أن الكفة تميل بشكل لا نقاش فيه إلى السلطة القضائية بحكم القانون، فإنه لا مفر من القــول أن التداخل بين”القضائي” و’الإداري” يجعل ضابط الشرطة القضائية إن صح التعبير يتواجد في حالات كثيــرة بين “مطرقة القضاء” و”سندان الإدارة”، وهذا ينعكس سلبا على مردوديته، ويحــد من إمكانية تصرفه بأريحية وفــق ما ينص عليه التشريــع المسطري (المسطرة الجنائية) وما يمليه عليه ضميره المهني .

ضعف آليات التواصل بين النيابة العامة والضابطة القضائية :

على مستوى واقع الممارسة، فإن العلاقة التواصلية بين “النيابة العامة” و”الضابطة القضائية “، تتم في مجملها إما عن طريق “التعليمات الكتابية”، أو عبر قناة “التعليمات الشفوية” عن طريق الهاتف الذي يمرر عبره “الإشعار” أو “الإخبـار” (من جانب الضابطة القضائية) و”الأوامر” أو “التعليمات” (من جانب النيابة العامة) ، وفي هذا الصدد، فإذا كانت “التعليمات الكتابية”  تتميز بالدقة والوضوح والحجية، ولا تطرح أية فرصة لسوء الفهم أو سوء التأويل، فـــإن” التعليمات الشفوية” تطـــــرح إشكال “الحجيـة” على اعتبار أنها تعليمات”شفوية” و”غير موثقة”، وما دامت كذلك، فمن يتحمل المسؤوليـة في حالة “سوء فهم “؟ فهل ضابط الشرطة القضائية الذي لـــم يتثبت أو لم يستوعب بدقة  فحوى التعليمات الشفوية المقدمة إليـه ؟ أم النيابة العامة التي أصدرت تعليمات فضفاضة وغير مدققــة؟ ثــــم كيف  لو أساء ضابط الشرطة القضائية فهم مضمون تعليمات النيابة العامة الموجهة إليه، ونفذهــا بشكل غير مطلوب ؟ أو لو لم يحســــن شرح ملابسات الواقعة المعروضة عليه للنيابة العامة ؟ وبناء عليها أصدرت هذه الأخيـــرة تعليمات شفوية مجانبة للصواب والواقـــــــــــع ؟ ثم ما مــدى واقعية وقانونية هذه التعليمات ؟ هل تستند في روحها على المرجعية القانونية بشكل صرف ؟ أم تتحكم فيها اعتبـــارات ذاتيـة مرتبطة بشخـص الوكيل أو النائب الذي أصدرها. وحالته النفسية وظروف الأمكنة التي يتواجد بها أثناء تلقيه “الإشعار” (مكتب، شارع عام، مقهى، بيت، غرفة نوم …) ؟.

بل أكثـــر من ذلك، كيف يمكن إصدار”فتــوى” أو على الأصح “تعليمات شفويــة” -عن بعــد- أي بعيدا عن واقـــع القضايا والنوازل ؟ ثـــم إلى أي حــد “ضابط الشرطة القضائية” يكون “أمينا” و”دقيقــا” في نقل ظروف وملابسات القضية المعروضة عليه إلى النيابة العامــة ؟  فسواء تعلق الأمر بالحالة الأولى أو بالحالة الثانية، فهــذا يطرح سؤال “التعليمات الشفوية” التي توجهها النيابة العامة لضباط الشرطة القضائية، بناء على المعلومات والمعطيات التي قدمها ضابط الشرطة القضائية وليس بناء على المعاينة المباشرة للواقعة.

نقطــــة أخرى ذات الصلة بالجانب التواصلي، ويتعلق الأمر ب”فوريــــة التبليغ”، ذلك أن ضابط الشرطة القضائية أحيانــا، ينقل إلى النيابة العامة معطيات أولية بشأن قضية معروضة عليه بشكل “فوري” بدون أن يتثبت من ظروفها وحيثياتها، ودون التأكد من صحتها أو عـــدم صحتها، والنيابــة العامة بنفــس “الفوريـــة” تصدر تعليماتها الشفويــة التي يمكن أن تكــون صائبة تارة، ويمكن أن يشوبهــــا التسرع وســـوء التقدير تــــارة أخــرى، خاصـــة فيما يتعلــــق بتدبيــر الوضع تحت الحراسة النظريــة .

في حالات كثيرة، خاصة في فترات الديمومة، يضع ضابط الشرطة القضائية المداوم، يده على بعض الأشخاص المشتبه في اقترافهم لجنحة أو جريمة ما، ويبادر إلى إخبار رؤسائه الإداريين المباشرين (الإخبار)، لكنه، يصطدم في بعض الحالات، بإكراه ربط الاتصال الهاتفي بالنائب المداوم، خاصة في الفترات المتأخرة من الليل، وفي ظل التخوف الذي يعتري البعض من ضباط الشرطة القضائية، بخصوص تدبير الوضع تحت الحراسة النظرية كإجراء ماس بالحرية، يضطرون إلى الاحتفاظ بالمشتبه فيهم بمكاتبهم، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر “محتملة” (الفرار مثلا)، إلى حين ربط الاتصال بالنيابة العامة، وتلقي تعليماتها الشفوية، إما بتأكيد إجراء الوضع تحت الحراسة النظرية أو الاستماع إلى الأشخاص وإخلاء سبيلهم وتقديمهم إلى العدالة في حالة سراح، وتبدو الوضعية “مربكة” خاصة في بعض القضايا “غير التلبسية” التي يتداخل أطرافها، وتقتضي تعميق الأبحاث والتحريات، للتثبت من ظروفها وملابساتها، وتحديد درجة تورط الأشخاص المتداخلين فيها.

وحتى في هذا المستوى، يصعب تحميل المسؤولية كاملة للنائب المداوم، الذي قد يتعذر عليه من الناحية الواقعية، مواكبة وتتبع مختلف القضايا المعروضة على الضباط المداومين المنتسبين لسلكي الشرطة والدرك على امتداد ساعات الديمومة (من الساعة 16.30 عشية، إلى الساعة 09.00 صباحا) دون أن ينام أو يأخذ قسطا من الراحة، وحتى إذا أمكن له التفاعل المستمر مع القضايا التي يتم إشعاره بها من قبل مختلف الضباط المداومين، ففي هكذا وضعيات، قد  تكون التعليمات “الفورية” الصادرة عنه، موضوع سؤال، بخصوص “الجودة” و”الواقعية” و”الدقة”، بمعنى آخر، أن النائب المداوم، وتحت ضغط كثرة القضايا وانعدام أوقات الراحة، قد يدخل في خانة “الارتباك”، أو “التسرع”، خصوصا فيما يتعلق بتدبير “الوضع تحت الحراسة النظرية” لما له من مساس بالحرية، من منطلق، أنه لا يعيش “روح” أو “واقع” القضايا في الميدان،  وتعليماته الشفوية، مرتبطة بالصورة المنقولة إليه من قبل “ضابط الشرطة القضائية المداوم” وليس بالواقع “المعاين”.

الاختصاص النوعي:

على مستوى واقع الممارسة، فإن الضابطة القضائية سواء بمصالح أو فرق الشرطة القضائية أو بدوائر الشرطة، تباشر مهامها حسب الاختصاص النوعي، أي حسب نوعية الجرائم المرتكبة، فدوائر الشرطة عموما تباشر البحث في القضايا البسيطة من قبيل السكر العلني البين، التخدير،السب والشتم والإهانة والتسول والتشرد والبيع بالتجوال والسرقات البسيطة والضرب والجرح وغيرها، وتباشر الإجراءات المسطرية الجزئية بشأن القضايا المعروضة عليها قبل إحالتها على الشرطة القضائية، أما فرق أو مصالح الشرطة القضائية فهي تتولى مهمة النظر في القضايا الجنحية أو الجنائية التي تستدعي تعميق الأبحاث والتحريات، وهذا الاختصاص النوعي قد يطــرح جملة من المشاكل نوجز بعضها فيما يلي :

– دوائر الشرطة تباشر الإجراءات الأوليـــة بشأن بعــض القضايا (انتقالات،معاينات،حجز،استماع إلى للضحيــة،الإستماع إلى الشهود … إلخ) وتحيل المسطرة الجزئيـــة المنجزة – رفقة المشتبه فيه – على مصلحة أو فرقة الشرطة القضائيـة من أجل تعميــق البحث عنــه .

– دوائر الشرطة في حالات كثيــرة تباشر معظم الإجراءات ، وتحيل القضية برمتهــا على الشرطـة القضائيـــة، وقــد تبقــى منها الاستماع إلى الضنين فقط.

– هذه الوضعية تجعلنا نقــف أمام ضابطة قضائيــة واحدة بمستويين : واحدة تباشر الإجراءات الأولية، والثانيــة تعمــق البحث وتكملـه .

– ضابط قضائية تستمع إلى الضحية وضابط قضائية تستمع إلى الجاني.

– أحيانــا لما تتوصل دائرة الشرطة بقضية ما، يتم استعجال  الاستماع إلى الطرف الشاكي والتخلص من القضية ككل برميها في مرمــى الشرطة القضائية بدعـــــوى تعميق البحــث، ولما يتبيــن أن القضية تبقى من اختصاص دائرة الشرطة، أو أنها مكتملة الأطراف (ضحية ، شهود ، جاني)  لا يتـــم قبول تسلمها، وبالتالي ترجع القضية وأطرافها إلى دائرة الشرطــة، وهذا من شأنه أن يكرس الإحساس بانعدام الثقـة في عمل الشرطــة، فضــلا  عن تضييــع وقت مهم كان بالإمكــان استغلاله في البحــث والتحري.

– في حالات كثيــرة، تحيل دوائر الشرطـة بعض القضايا على الشرطـة القضائية في ساعات متأخــرة من النهار، ولا تترك للشرطة القضائية أي وقـــت من أجــل تعميــق البحــث مـع الطرف الجانــي، وكذا مباشــرة ما يقتضيــه البحث من انتقالات وتحريات وغيرهـــا، وفي ظل هذا الوضــــع وأمام ضغط مدة الوضع رهن الحراسة النظريــــة، قد يتم الاكتفاء فقط بالاستماع إلى المعني بالأمر، وإنجاز المسطرة بشأنه من أجل إحالته على العدالة في اليـــوم الموالي.

_ فضلا عن التداخل الذي يمكن أن نسجله بين “دوائر الشرطة” و”فرق أو مصالح الشرطة القضائية”، يمكن أيضا، تسليط البوصلة نحو “التداخلات” التي يمكن أن تطفو على السطح، بالنظر إلى تعدد الأجهزة المرتبطة بالشرطة القضائية، كما هو الحال بالنسبة للفرق الجنائية الولائية والفرقة الوطنية للشرطة القضائية والفرق الجهوية للشرطة القضائية، مما يفرض رسم معالم تدخل وتحرك كل جهاز، تفاديا لأي ارتباك محتمل.

ضعف الحصيص ومحدودية التكوين :

– إكراه آخر يواجه الشرطة عموما والشرطة القضائية خصوصا، يتعلق بضعــف الحصيص سواء على مستوى ضباط الشرطة أو على مستوى مفتشي الشرطة، وهــذا ينعكس سلبا على أدائها، خصوصا وأن عملها يتخذ عدة مستويات، من قبيل إنجاز المحاضر والمساطر بشأن القضايا التلبسية و الإشراف على الأبحاث التمهيدية و القيام بالحملات التطهيريـــة و المشاركة في الأعمـــال النظامية (مسيرات، وقفات، احتجاجات، تظاهرات رياضية، ديمــومــة …)، وهــذه المهام المتعددة الأوجــه، ينتــــــج عنها تكــدس في الملفــات والقضايــــا الجاريـة ســــواء كان موضوعها شكايــات مواطنيــن أو تعليمات النيابــة العامـة، وفي هكذا حالات، قد يتم تصريف القضايــا إن لم نقل التخلص منها عن طريق مخرج ” البحث غير المجدي” ، وفي ذلك- شئنا أم أبينا- تكديـــــــس لمصالح المواطنين، ممــا ينعكـــس سلبـــا على معاييــر الجــــودة والسرعـــة والفعاليــة.

– على مستوى التكوين، تبدل المديرية العامة للأمن الوطنــي مجهودات مهمة، إن على مستوى التكوينات الأساسية أو التكوينات التي تدخل في نطــاق التكوين المستمـــر في سبيل تأهيل ضباط الشرطة القضائيــة وجعلهم يسايرون المستجدات الحاصلة في العلوم القانونية والحقوقية والأمنية واللغات وغيرهــا، وفي ظل الطفرة الرقمية والتطور النوعي الحاصل في الجريمة، وبالنظر إلى الاهتمام المتزايد بحقوق الإنسان  وضمان شروط المحاكمة العادلة، لامناص اليوم، من الاعتماد على استراتيجيات واضحة المعالم في مجال التكوين الأساس والتكوين المستمر، من أجل “صناعة” ضابط شرطة قضائية، ماسكا لزمام الأمور ومتمكنا من الجوانب القانونية والمسطرية والحقوقية، وبخلفية معرفية متعددة الروافد، تتيح له ” الإمكانية”  للخوض في جميع الأبحاث والقضايا مهما كانت درجة تعقيدها وتشابكها، دون خوف أو دهشة أو ارتباك ..

وفي هذا الصدد، يمكن المجازفة في القول، أنه وكلما تعطلت آليات التكوين المستمر والذاتي، كلما اتسمت معارف بعض الضباط بنوع من القصور والمحدوديـــة خصوصا على المستوى القانوني، لأن البحث -على سبيل المثال لا الحصـر- في قضية موضوعها شركة تجاريـــة، أو ذات صلة بالملكيــة الفكرية، لا يمكن للضابط تناولها والإحاطة بجميع تفاصيلهـا، دون الإلمــام بقانون الشركـات وقانون الملكية الفكريــــة، ودون الإلمام بالقانون الموضوعي (القانون الجنائي) والقانون الشكلي (المسطرة الجنائية)، مما يجعل “التكوين المستمر” أمرا لا محيدة عنه.

تصورات واقتراحات :

– ضرورة إعادة النظر في ازدواجية السلطة التي تخضع لها الضابطة القضائية.

– التفكير في صيغ تواصلية جديدة وفاعلة وناجعة بين الضابطة القضائية والنيابة العامة عوض قنوات الهاتف.

– لابد للنيابة العامة أن تنزل إلى الميدان (مصالح/فرق الشرطة الفضائية ، دوائر الشرطة) لتقف عن كثب، عند مشاكل وإكراهات ضباط الشرطة القضائية، والإصغاء إلى اقتراحاتهم ووجهات نظرهم .

-إعطاء ضباط الشرطة القضائية هامشا للتصرف في بعض القضايا ومعالجتها، والتي لا تشكل خطرا على النظام العام (سكر، تشرد، سرقات بسيطة، ضرب وجرح …) وهذا النوع من القضايا يثقل كاهل الشرطة القضائية والنيابة العامة على حد سواء.

– ضرورة توضيح العلاقات العملية بين الشرطة القضائية ودوائر الشرطة، ووضع حدود واضحة للاختصاص النوعي، من خلال حصر القضايا التي تبث فيها دائرة الشرطة، والقضايا التي تبقى من صميم اختصاص الشرطة القضائية، وتحديد الاختصاص بين المصلحتين، من شأنه أن يحد من مظاهر العشوائية والالتبـــاس والتداخل في الاختصاصات، ويحــقق السرعة والفعالية التي تقتضيها الأبحاث والتحريات، وهذا التحديد يسمــح بآليات التقييم والمساءلة .

– ضبط وتأطير عمل المصلحتين من شأنه أيضا أن يؤسس لعلاقة جديدة مبنية على التكامل والتعاون لا على التنافر والتصــادم.

– موازاة مع ضبط وتأطير العلاقات بين دوائر الشرطة ومصالح أو فرق الشرطة القضائية، وعلى الرغم من أن “النيابة العامة”  لها صلاحيات قانونية في إسناد القضايا، فلا مناص، من ضبط حدود وهوامش تدخل بعض الأجهزة المنضوية تحت لواء الشرطة القضائية (فرق أو مصالح الشرطة القضائية، الفرق الجنائية الولائية، الفرقة الوطنية للشرطة القضائية والفرق الجهوية التابعة لها …إلخ) تفاديا للارتباك أو التداخل في الاختصاصات، مع تعزيز قنوات التواصل بين الأجهزة على مستوى تبادل المعطيات والخبرات والتجارب.

– الرفع من الحصيص، وتمكين الضابطة القضائية من الوسائل والمعدات اللوجيستية، والتفكير في صيغ لتحفيزها من الناحية المادية، وذلك لضمان الفاعلية والمردودية المتوخاة من عملها.

-إخضاع ضباط الشرطة القضائية إلى تكوين أساسي عصري منفتح على العلوم القانونية والأمنية وحقوق الإنسان وتقنيات البحث واللغات الحية والتواصل، وتفعيل التكوين المستمر الذي يجب أن يشمل أيضا  مفتشي الشرطة، باعتبارهم مشاريع ضباط شرطة قضائية.

– خلق شراكات مع مؤسسات ذات صلة بالعمل القانوني والأمني، كالمعهد العالي للقضاء، والمدرسة الوطنية للإدارة والمعهد الملكي للإدارة الترابيــــة، جامعات …وهذا من شأنه أن يدعم الثقافة القانونية والحقوقية لضباط الشرطة القضائية.

أخيرا وليس آخرا، لا يمكن أن نؤسس لحكامة قضائية وأمنية جيدة، دون ضابطة قضائيــة فاعلة ومتجــددة ومتفتحــة على محيطهــا المجتمعي بكل مكوناتـــه، مع الإشــارة إلى أن النيابة العامة تعاني بــدورها من مجموعة من الإكراهات المادية واللوجيستية، وفي مقدمتها ضعــف الحصيص وتراكم القضايـــا، مما يتعذر معه النزول إلـى مصالح الشرطة القضائية (شرطة قضائية، دوائر الشرطة) وتحقيق التواصل المطلوب معهــا، ورغـــــم الإكراهات التي يعاني منهــا كل جهـــاز، فلا بــد من التفكيـــــر في خارطة طريــق جديــدة بين الجهازين، مبنيــــة على قيــــم التواصــل والتعاون والتكامل والإصغــاء والإنصـات، لا علــــى الخضوع والتحكم عن بعد، وذلك خدمـة للعدالة وضمانــا للمحاكمة العادلـــة، وإذا كانت مؤسسة “النيابة العامة” قد استقلت عن سلطة الوزير الوصي على العدل، بشكل يعزز “استقلالية” السلطة القضائية، فإن “الضابطة القضائية” لم تنفلت بعد من “الازدواجية” المزعجة، مما يجعل كل أعمالها وتدخلالتها، تتم تحت “حر” الإدارة” و”لهب” القضاء ..علما أن التأهيل المعرفي والمهني، لابد أن يوازيه، اهتمام “سلوكي” وحرص مستدام  على التقيد اللامشروط بأخلاقيات المهنة، لأن “الشرطة ” عموما، هي سلوكات قويمة وأخلاق حميدة، قبل أن تكون معارف وضوابط أمنية، وبدون قيم وأخلاق، لايمكن البتة، كسب رهانات “الشرطة المواطنة” و”الشرطة المجتمعية” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll Up
error: